السبت، 14 نوفمبر 2015

انتظار الفرج ((زاد عاشوراء))

انتظار الفرج
((زاد عاشوراء))

عن أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل العبادة انتظار الفرج"1.


انتظار الفرج عبادة وجهاد:

من الأمور المؤكّدة وفي روايات كثيرة حثّ على انتظار الفرج، وبالأخصّ الفرج للبشريّة وللإنسانيّة بظهور مخلّصها وباني مجدها ومقيم العدل في أرجاء مسكونتها الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ومن هذه الروايات ما نقله الإمام العسكريّ عليه السلام عن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج"2.

بل إنّ بعض الروايات جعلت هذا الانتظار عبادة، بل أفضل العبادات، وهذا ما نقله أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل العبادة انتظار الفرج" كما تقدّم.

وهو جهاد، بل أفضل أنواع الجهاد كما جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل جهاد أمّتي انتظار الفرج"3.

ولا يخفى بعد المرور على المعنى اللغوي لانتظار الفرج والذي يفضي إلى أنّ الانتظار هو حالة نفسانيّة ينبعث منها التهيّؤ لما تنتظره، وضدّه اليأس، فكلّما كان الانتظار أشدّ كان التهيّؤ آكد...4.

مع ما ورد بأنّ الانتظار عبادة بل أفضل العبادة، وجهاد بل أفضل الجهاد حيث عدّته من العبادة والجهاد، كلّ ذلك لا يبقي مجالاً ليشكّ أحد بأنّ الانتظار المطلوب هو الانتظار المقرون بالعبادة والعمل والمعرفة والجهاد أي الانتظار الإيجابيّ ولا معنى لصرف الجهد في بيان أنّه هو المطلوب.


بركات الانتظار وآثاره:

إنّ البشارة بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف واليقين بتحقّق الوعد الإلهيّ له آثاره الإيجابيّة في الفرد والمجتمع على صعيد التفكير والإيمان والسلوك والعمل، فحالة الانتظار لهذا الوعد والتماهي معها تشكّل حالة فعّالة في شتّى أبعاد النّفس البشريّة ومنها:

1- النظرة التفاؤليّة للحياة ولمآل المسيرة البشريّة: 
وهذا ما يدفع النظرة السوداويّة التشاؤميّة التي تورث الكآبة وتزيل المجهوليّة التي بنفسها تجعل الإنسان ثقيل الخطى في سيره الدنيويّ في العمل والعلاقات وهذا ما يحفّز الإيجابيّة في العلاقات والعمل.

2- زرع الأمل في النّفوس المنتظرة:
إذ يشكّل الإيمان به عجل الله تعالى فرجه الشريف وانتظاره حالة من الطمأنينة في خضمّ المشاكل والصعوبات والبلاءات أنّه ثمّة حلول قادمة لا محالة، فلا سقوط أمامها، بل تتولّد من ذلك شحنات معنويّة تصلّب الإرادة وتقوّي العزيمة وتولّد الثقة أمام كلّ التحدّيات وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الأمل رحمة لأمّتي ولولا الأمل ما رضَّعت والدة ولدها ولا غرس غارس شجراً"5.

وهذا الأمل أمل حقيقيّ واقعيّ وليس خياليّاً يغذِّيه الوعد الإلهيّ: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾6.

وما جاء على لسان الصدق الأعظم النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تقوم الساعة حتّى يقوم قائم الحقّ منّا، وذلك حين يأذن الله عزَّ وجلَّ له، ومن تبعه نجا، ومن تخلّف عنه هلك... الله الله عباد الله، فأتوه ولو على الثلج، فإنّه خليفة الله عزَّ وجلَّ وخليفتي"7.

فهذا الأمل يولّد طاقة على الحركة وقوّة دافعة للسعي والتحرّك بدون كلل ولا تعب، وهذه القوّة المتولّدة من هذا الأمل تكاد تلغي بل هي تمحو العناء والتعب لتملأ كيان المنتظر بالسعادة تحدوها اللهفة للظهور المبارك المحتوم ولقاء القائد الإلهيّ ليستتم وعد الله لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾8.

3- اليقين بالنصر النهائيّ:
فبالوعد الإلهيّ يحصل اليقين بنصر الله لوليّه الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف والهزيمة الحتميّة للكافرين والظالمين، فلا شكّ ولا ريب بهذه النتائج إضافة إلى إقامة دولة العدل الإلهيّ على شتّى أرجاء المعمورة، هذا النصر لن يكون نصراً مرحليّاً وإنّما هو نصر نهائيّ ستبقى مفاعيله، وعندما ننتظر مثل هذا النصر مع اليقين بأنّه قادم فإنّ ذلك يجعلنا ندرك أنّ أعمالنا الصالحة وخطانا السليمة في طريق هذا المشروع الإلهيّ لن تذهب سدى، بل ستنضمّ إليها جهود الأجيال وتتراكم لتثمر في غد الظهور المبارك الآتي حتماً.

4- الثبات والصمود:
قد يعيش المؤمنون أوضاعاً مؤلمة ومريرة ويمرّون بظروف قاسية من جرّاء مواجهة الكفر والانحراف وهذا ما وعدنا به رسول الله في قوله لابن مسعود: "يا بن مسعود، يأتي على النّاس زمان الصابر على دينه مثل القابض على الجمرة بكفّه"9.

فإن كان المؤمن معتقداً أن لا أفق أمامه للحلّ، وأنّه وحيد في هذه المعتركات فستضعف قدرته وقد يسقط في الاختبار والامتحان، وأمّا مع وجود الأمل بالخلاص فإنّ الصمود يقوى ويشتدّ فلا استسلام أمام الصعوبات والضغوط.

وهذا ما يجعل المؤمن ثابتاً على إيمانه ومعتقده فلا تزول نفسه ولا تزلّ قدمه.

5- توثيق الارتباط بالغيب:
وقد قال تعالى إنّه من صفات المتّقين المؤمنين أنّهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب﴾ وجاءت الروايات ربّما من باب التطبيق لتشير أنّ الغيب هو الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف وإذا حاولنا أن نكون منصفين فإنّ الإيمان بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف أحد أهمّ الاختبارات والامتحانات للإيمان بالغيب، فالانتظار هو إحدى الممارسات العمليّة لهذا الإيمان، وهو يعمّق الرابطة بالغيب، فهو يدعونا - لنحسن انتظاره - أن نتعرّف عليه وعلى حقيقة قضيّته بل حقّانيّتها والبحث عن الدور والوظيفة التي أنيطت بنا اتجاهه، وكيف نبني العلاقة معه؟، وماذا علينا أن نفعل لنكون قريبين منه مقبولين عنده؟ إضافة إلى أمر رئيسيّ وهو مع تحصيل اليقين بالوعد الإلهيّ والانتظار نخرج من حالة تربيب الأسباب الماديّة، والواقع ومعادلات السياسة والاقتصاد والأمن مهما تجبّر المتجبّرون واستكبر المستكبرون.

وهذا ما يورث التوازن بين الأبعاد الغيبيّة والمعادلات الماديّة وهذا يورث التحرّر والقوّة أمام هذه المعادلات بالاستقواء بالغيب ووعوده المحتومة.


خاتمة:

نحن في زمن أصبح النّاس فيه عبيداً يرببون القوّة، قوّة المال والسلطة، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، ونحن والبشريّة نحتاج دائماً إلى ما يعيدنا إلى رشدنا ويحرّرنا من هذه العبوديّة ونحن المؤمنين خصوصاً نحتاج إلى دوام تعزيز الرابطة بالغيب والثقة بالله تعالى وأوليائه.

والإيمان بوجود الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف مع غيبته، يولّد بل يعزّز الثقة بالعناية والرعاية الغيبيّة والإلهيّة بألطافه تعالى بنا وخصوصاً عبر شمسه التي يجلّلها سحاب الغيبة إلى زمن انقشاعها عن وجهه النورانيّ.

* كتاب زاد عاشوراء، إعداد معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- كمال الدّين وتمام النعمة، ص 287.
2- كمال الدّين وتمام النعمة، ص 644.
3- بحار الأنوار، ج 74، ص 141.
4- مكيال المكارم، ج2، ص136.
5- بحار الأنوار، ج 74، ص 173.
6- سورة القصص، الآية 5.
7- دلائل الإمامة، ص 452.
8- سورة الصفّ، الآية 9.
9- بحار الأنوار، ج 74، ص 98.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق