الأربعاء، 18 نوفمبر 2015

نظرة الإسلام إلى المال ((العلاقة مع المجتمع))

نظرة الإسلام إلى المال
((العلاقة مع المجتمع))

يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾1

فلسفة حبّ الإنسان للمال
عندما نُريد التحدُّث عن أيّ مفهوم لا بُدّ أن نُخضعه للنظرة الشرعية الواقعية، ثمّ بعد ذلك نُرتِّب الآثار السلبية والإيجابية بعد وضوحه على مستوى المفهوم الواقعيّ بحدوده الطبيعية، فكيف ينظر الإسلام إلى المال؟ وكيف يُقيّمه إيجاباً وسلباً؟

أوّلاً: إنّ القرآن الكريم يُعبِّر عن شيء مرتكز ومنغرس في نفس نوع الإنسان وهو حبّه للمال حبّاً كبيراً، يقول تعالى:﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾.﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾2. وفُسِّر الخير بالمال.

وخلفية حبّ الإنسان للمال هي أنّ الإنسان يُحبّ وجوده، ويُحبّ كلّ شيء يقوّي وجوده، ويدفع النقص والخطر عنه. ولا شكّ أنّ المال من مقوّيات الوجود ومن المساعدات على رفع النقص والدفاع والذبّ عنه، فإذاً سيتفرّع حبّ المال على حبّ الذات ويكون قوياً ومنسجماً مع درجة حبّها، وبما أنّ حبّ الذات من أعظم الغرائز لدى بني البشر فحبّ المال المتفرّع عنها طبيعيٌّ أن يكون من أقوى ما يُحبّه الإنسان ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾.

إذاً، هذا الحبّ عميق ونحن مأمورون أن لا نجري على مقتضى هوانا في التعامل مع المال، بل أن نُخضع علاقتنا به لحكم الشرع والعقل من خلال تعديل ذلك الميل الجنونيّ والعشق الكبير له، فالضابط والميزان للوصول إلى هذا الاعتدال هو الشرع المبين المدعوم بحكم العقل والعقلاء، فتعال لنرى نظرة القرآن والسنة إلى المال وبماذا يأمران.

إنّ الإسلام يعتبر المال أمراً مهمّاً مصلحاً لشؤون الخلق ولا يرفضه بالمعنى التصوفيّ السلبيّ بل هو وسيلة مهمّة جدّاً، وتحصيله والكدّ في سبيل كسبه من الحلال هو من أفضل العبادة، فكما ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال"3.

ولكن ككلّ وسيلة إذا تحوّلت إلى غاية فإنّها ستنحرف عن الصواب وقد توصل إلى الهلاك، فإنّ المال يجب أن يبقى في إطار الوسيلة، وإذا ما اعتقد الإنسان بأنّه غاية وتعامل معه كذلك فإنّه يكون من أخطر الأشياء عليه.

وللأسف الكثير من البشر وقعوا في فخّ المال وتحوّل حبّهم له إلى غاية، وذلك للأمر الجبلّيّ فيهم كما ذكرنا، مع طول الأمل وحبّ الحياة وما يترتّب على ذلك من خوف الفقر والحاجة، وتقدير التعرّض المستقبليّ للنقص والفقدان والفاقة.
وبالتالي فإنّ الإنسان يلجأ إلى الكنز والادّخار وحجب المال عن المستحقّين.

كيف ينظر الدِّين للمال وكيف يُقيّمه؟

فلنلقِ نظرة على كيفيّة تقييم الإسلام للمال:
قال أبو عبد الله عليه السلام: "إنما أعطاكم الله هذه الفضول من الأموال لتوجّهوها حيث وجّهها الله ولم يُعطكموها لتكنزوها"4.

- وعنه عليه السلام عن أبيه أبي جعفر عليه السلام أنّه سُئِل عن الدنانير والدراهم وما عمل الناس فيها، فقال أبو جعفر عليه السلام:"هي خواتيم الله في أرضه جعلها الله مصلحة لخلقه وبها تستقيم شؤونهم ومطالبهم، فمن أكثر له منها فقام بحقّ الله فيها وأدّى زكاتها فذاك الّذي طابت وخلصت له، ومن أكثر له منها فبخل بها ولم يؤدِّ حقّ الله فيها واتّخذ منها الآنية فذاك الّذي حقّ عليه وعيد الله عزّ وجلّ في كتابه، يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾"5 6 

- وروي عن الإمام الصادق عليه السلام: "المال مال الله عزّ وجلّ، جعله ودائع عند خلقه، وأمرهم أن يأكلوا منه قصداً، ويشربوا منه قصداً، ويلبسوا منه قصداً، وينكحوا منه قصداً، ويركبوا منه قصداً، ويعودوا بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين، فمن تعدّى ذلك كان ما أكله حراماً، وما شرب منه حراماً وما لبسه منه حراماً، وما نكحه منه حراماً، وما ركبه منه حراماً"7.

أوّلاً: لا بُدّ من التوجّه بالنظرة الإيجابية للمال لا بالنظرة التصوّفية السلبية كما مرّ وذكرنا، أي من الخطأ الاعتقاد بأنّ المال بما هو مال سيّىء وشرّ، وبالتالي من القبيح أن نحوزه ونُحصّله.

هذا ليس صحيحاً، بل المال كما صرّح الإمام عليه السلام بالرواية الآنفة:"هي" أي الأموال "مصلحة لخلقه، وبها تستقيم شؤونهم ومطالبهم"8

وإنّما الخطر في الأمر هو ما يُمكن أن يترتّب على حبّه والتعلّق به من لوازم وآثار سيّئة ومهلكة كما سنبيّن فيما سيأتي.

ثانياً:المال ليس ملكاً حقيقياً للإنسان وإنّما هو عارية ووديعة وملك اعتباريّ، فلو دقّقنا في النصوص نجد التصريح بذلك، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُم﴾9. فلم تقل الآية تركتم ما "ملّكناكم"، بل عبّرت بـ "خوّلناكم"، ومعلوم أنّ تخويل الشيء أعمّ من تمليكه، فقد أخوّلك التصرّف بشيء لي دون أن أملِّكك إيّاه.

وكذلك التعبير في الرواية السابقة بقوله عليه السلام: "المال مال الله" فإنّما أضاف الملكية الحقيقية إلى ذاته المقدّسة ولم يُضفها إلى الإنسان، وقوله عليه السلام: "جعله ودائع عند خلقه" فلم يقُل عليه السلام ملّكه الله لخلقه...

فلا بُدّ للعاقل أن يعتقد بذلك، أي بأنّه مخوّل بالتصرُّف بهذا المال وممتحن به، وأنّه مسؤول عنه مكسباً وإنفاقاً، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتّى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت"10. ولا يدخل في وهم أحد أنّه أصبح مالكاً له، فله صنع ما أراد به وينسى أنّه محاسب حتّى على الدرهم والقطمير منه.
وكذلك إذا اعتقد أنّ مالكه الله تعالى وأنّه مجرّد عبد ممتحن به، فإنّه سوف لا يمنع حقّ الله تعالى فيه، بل يبذله بطيب نفس، فهل يبخل الإنسان بملك غيره؟

ثالثاً:إذا كان المال هو مال الله وهو وديعة عند الخلق لا غير مخوّل بالتصرُّف فيه فلا بُدّ أن نسأل ماذا يُريد الله تعالى منّا بشأن هذه الوديعة وهذا الشيء الّذي امتحننا فيه؟

هل يُريد منّا التباري بجمعه فمن يجمع أكثر فهو الفائز وله الغلبة عنده "تعالى" وبالتالي له التفاخر على غيره بفوزه المظفّر عليهم لأنّه فاقهم في الكنز والادّخار منه؟!

الجواب: كلا، بل كلّفنا عزّ وجلّ أن نوجّهه حيث وجّهه ولا نكنزه، كما عن مولانا الصادق عليه السلام: " إنّما أعطاكم الله هذه الفضول من الأموال لتوجِّهوها حيث وجّهها الله ولم يُعطكموها لتكنزوها"11.

فالمال إذاً ليس للكنز ولا للادّخار، بل جعله الله خواتيم في أرضه ليُصلح الناس به أمورهم، ويُديروا شؤونهم، ويتوصّلوا به إلى مقاصدهم، ليتوجّهوا بعد سدّ حوائجهم إلى الدوافع الأساس السامية، فمن يتوقّف عند جمع المال وكنزه ومن ثمّ يطلب به الكمالات الدنيوية كما عبّرت الرواية الشريفة "واتخذ منها الآنية" فإنّه من التائهين في الضلال ومن الهالكين إن كان قد بخل بحقّ الله تعالى، أو أسرف في إنفاقه.

وإن كان قد أدّى حقّ الله تعالى فيها فليس عليه جناح من الناحية الفقهية، ولكن من الناحية السلوكية فقد يُقال إنّ من يجمع ويكنز فهو من المنشغلين بالدنيا ومن الغافلين، وإنّه ما اجتمع مال إلا من شحٍّ أو حرام كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام، ولذلك ألمحت الرواية السابقة إلى أنّ الشيء الّذي يكون مَرضيّا في إنفاقه هو القصد في كلِّ شيء، في المأكل والمشرب والملبس والمسكن..

"وأمرهم أن يأكلوا منه قصداً، ويشربوا منه قصداً، ويلبسوا منه قصداً، وينكحوا منه قصداً، ويركبوا منه قصداً، ويعودوا بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين، فمن تعدّى ذلك كان ما أكله حراماً، وما شرب منه حراماً وما لبسه منه حراماً، وما نكحه منه حراماً، وما ركبه منه حراماً"12.

فلا بُدّ من حمل الرواية على ما ذكرنا، فإما أن نقول أنّه حرام لأنّه لم يؤدِّ حقّ الله تعالى فيه، أو لأنّه أسرف في الإنفاق، أو لأنه ما اجتمع مال إلا من شحّ أو حرام، أو المقصود بالحرام الوارد الأعمّ من الحرام الفقهيّ و الأخلاقيّ العرفانيّ المعنويّ.

حبّ المال أداة مهلكة
وبعد التعريف بالنظرة الشرعية للمال، وبأنّها نظرة واقعية إيجابية "مع الالتزام بالحدود الشرعية للجمع والإنفاق كمّاً وكيفاً" وليست سلبية، فلا بُدّ أن نذكر الأمور الّتي تجعل حبّ المال أداة مهلكة بيد صاحبها إذا لم يُضبط بما يُريده الشرع المبين والعقل الرصين:

فأوّلا:ً من لوازم ذاك العشق للمال، الشُّحّ:﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾13.
﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا﴾14.

ثانياً: حبّ الاستزادة والطمع والحرص الشديد على الكنز والادّخار:
- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لو أنّ لابن آدم واديين من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً"15.
- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا"16 .

ثالثاً: الطغيان: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى*أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾17.
من الخطأ أن يأمن الإنسان جانب نفسه، فإنّها كثيراً ما تخدعه، وتعده بأشياء ولا تفي عند التمكّن "وخدعتني الدنيا بغرورها، ونفسي بخيانتها"18 ، وخاصّة فيما يتعلّق بالمال، فإنّه قبل حصوله في يد الإنسان قد يتكلّم كلام الزاهد في تملّكه والحرص عليه، الّذي لا يعتني بشأنه، ولا يقيم له وزناً، إلا أن يقضي به حوائجه وحوائج الناس من أقاربه وإخوانه المؤمنين. إلّا أنّه بمجرّد أن يحصل على قدرٍ منه فقد يتغيّر نمط تفكيره، بل حتّى قد يتغيّر لحن كلامه، فهذا ثعلبة بن حاطب الّذي عاهد الله لئن آتاه الله من فضله ليصّدقن وليكونن من الصالحين، فأيّ عهد هذا الّذي قطعه على نفسه وجهاً لوجه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والّذي أكّده بعدّة تأكيدات! إنّه لو وُزن مع جبال الدنيا لرجح عليها من ثقله! ومع ذلك لمّا آتاه الله من فضله بخل وتولّى وهو معرض، فأعقبه ذلك البخل والخلاف للعهد والكذب نفاقاً في قلبه إلى يوم يلقى الله سبحاته، بل على ما في النقل لقد كان تعبيره "ما هذا إلّا اخت الجزية" فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة"19.

وهذه الآيات المباركات الّتي روي أنّها نزلت فيه ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ*فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ*فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾20.

فعجباً لهذا الإنسان الّذي يلهج بالكرم وحبّ البذل، وبأنّه إذا حاز مالاً سوف لا يردّ سائلاً، ولا يدعّ محتاجاً، ولا فقيراً إلا وينيله من كرمه وفضله وبذله، ولكنّه بمجرّد أن يحوز المال، ويتمكّن منه، يصبح شخصاً آخر، همّه تبرير حرصه وبخله، وليت الأمر يقتصر على هذا الحدّ، فإنّه يطغى ويتجاوز الحدود وينتهك الحرمات بالمال، الّذي هو مادّة الشهوات، ويظهر عليه البطر والترف والبذخ، وينسى أنّ هذا المال هو مال الله قد جعله وديعة عنده ليختبره به، ويتبجّح بحذاقته وذكائه في جمعه، وينسى من أنعم به عليه، ورزقه إيّاه، وأفضل مثال على هذا الصنف من البشر قارون.

وأخيراً فإنّ التخلُّص من هذه الآثار السلبيّة لحبّ المال بحاجة إلى تدريب وتهيئة لهذه النفس يؤدي إلى تزكيتها وذلك باستشعار رقابة الله تعالى، واستذكار نعمه وأنّه في أيّة لحظة قادر على سلبها واسترجاعها فهي فضلٌ من الله تعالى ومتى شاء استعاده، بل هي امتحان واختبار يسقط فيه كثيرون، وعليه نسأل الله أن لا يفتنّا بالدنيا وما حوت وأن لا يمتحننا بما لا نقدر على النجاة منه، إنّه سميع مجيب.

* مواعظ قرانية ، سلسلة الدروس الثقافية ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

1- سورة الفجر، الآية: 20.
2- سورة العاديات، الآية: 8.
3- وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، ج 12، ص11.
4- الكافي، الشيخ الكليني، ج 4، ص 32، وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 6، ص 17.
5- سورة التوبة، الآية: 35.
6- وسائل الشيعة، "الإسلامية"، الحرّ العاملي، ج 6، ص 17.
7- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج 4، ص 2994.
8- سورة الأنعام، الآية: 94.
9- الأمالي، الشيخ الصدوق، ص 93.
10- الكافي، الشيخ الكليني، ج 4، ص 32.
11- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج 13، ص 52.
12- سورة النساء، الآية: 128.
13- سورة الإسراء، الآية: 100. 
14- ميزان الحكمة، ج 3، ص 2639. مسند أحمد، ج 5، ص 117.
15- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 1، ص 182. 
16- سورة العلق، الآيتان: 6ـ 7.
17- مصباح المتهجِّد، الشيخ الطوسي، ص 845.
18- تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، ج 9، ص 352.
19- سورة التوبة الآيات: 75 - 77.
20- سورة القصص، الآيات: 76ـ 82.

صغائر الذّنوب ((مآب المذنبين))

صغائر الذّنوب
((مآب المذنبين))

تمهيد:

إنّ المؤمن يفرح بطاعته لله عزّ وجلّ، ويحزن لمعصيته ويندم عليها، ويحاول الخروج من أسرها والعودة إلى الطاعة من جديد، فيستغفر من ذنبه ويُتبِع سيّئته بحسنة لعلَّها تمحوها، ولا يزال العبد في قلقٍ ما دام يغلب على عمله الخلط بين الحسنات والسيّئات، ولا ريب أن فرحه بالطاعة لا يكتمل حتَّى يخرج من دائرة الحزن والقلق التي تشُدُّه إليها ذنوبه.

والخطر الأكبر على المؤمن يكمن في ارتكابه الكبائر من الذّنوب التي تُشكِّل أزمةً حقيقيةً في سلوكه إلى الله، ولكن الصغائر أو اللمم - التي قد يتجاوز الله عنها - ربما تُوهِمُ بعضَ النَّاس أن المساحة بينها وبين الكبائر شاسعةٌ جداً، فهو حين ارتكابه للصغيرة سيكون في مأمن من ارتكابه للكبيرة، وهذا حتماً من تسويلات النَّفس الأمَّارة بالسُّوء ووسوسة الشَّيطان. ذلك أنّه ثمّة تجاذُبٌ وتبادلٌ بين الكبائر والصغائر يسقط فيها الغافلون، ويتهشَّم في إطارها ذلك الفاصل الزجاجي الرقيق بين صغائر الذّنوب وكبائرها فلا يصحوا أولئك الغافلون عن خطر بعض الصغائر إلا وقد تلبَّسوا بالكبائر؛ فالصَّغائر ممهّداتٌ للكبائر وخطواتٌ على طريق الوقوع فيها، ولعلَّ أبلغ تعبيرٍ في القرآن في هذا المجال قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾1. 

فعلى المؤمن أن يتجنَّبَ الصَّغائر، وأن يلتفت إلى الموارد التي تنقلب فيها هذه الصَّغائر إلى كبائر كما يُستفاد من بعض الرِّوايات، إذ وردَ عن الإمام الرِّضا عليه السلام: "الصَّغائر من الذّنوب طرقٌ إلى الكبائر، ومن لم يخَف الله في القليل لم يَخَفْهُ في الكثير..."2.


الصغائر طرق إلى الكبائر: 

ذكرت الأخبار الواردة عن العترة الطاهرة عليهم السلام العديد من الموارد التي تتبدّل فيها الصغائر إلى كبائر، نذكر منها:

1- الإصرار على الذَّنب:

يستفاد من الآيات القرآنية والأحاديث الشَّريفة أنَّ ممارسةَ الذَّنب لعدّة مرَّاتٍ وعدمَ المبادرة إلى التوبة يُعدّ إصراراً على الذَّنب الذي هو عين المعصية لله تعالى، فقد روي عن الإمام علي عليه السلام قوله: "إيّاك والإصرار فإنّه من أكبر الكبائر، وأعظم الجرائم"3.

مثاله: العين بحسب الروايات قد تزني، وزناها النظر، ولكن زنا النظر أصغر من الزِّنا المصطلح، فمع الإصرار والمواظبة على هذا النظر يصبح هذا النوع من الزنا كبيرة؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذّنوب إِلاَ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾4.

فالآية كما هو واضح تشترط أنه إذا ترك الإنسان الإصرار صحّت توبته وغفر الله ذنبه. فالإصرار على الذَّنب يستوجب الاستهانة بأمر الله تعالى وعدم رعاية مقامه تعالى، سواءً أكان الذَّنب المذكور من الصَّغائر أم من الكبائر5. 

روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار"6. وروي عن الإمام علي عليه السلام: "من أصرّ على ذنبه؛ اجترأ على ربه"7.

فالإصرار لا يُبقي الصَّغيرة على حالها؛ لأنَّ الإصرار عليها معصيةٌ أخرى تنضمُّ إلى الأولى، فما دام مصرِّاً على ما يفعله توالت المعاصي وتكاثرت وتراكمت حتَّى تغدو كبيرةً، ولاسيّما إذا كان الإصرارُ يتضمَّنُ الاستهانةَ بالله تعالى وأوامره.

والسبب في تحويل الصَّغيرة إلى كبيرة هو تراكم الظلمة على القلب الذي هو أشبه بالصدأ الذي يصيب الحديد، وينتشر فيه شيئاً فشيئاً، ويشتدّ كلّما تراكم الصدأ عليه فيؤدّي إلى تلفه، وهكذا ارتكاب الصغائر والإصرار عليها.

روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "إنَّ رسول الله نزل بأرض قرعاء، فقال لأصحابه: ائتوا بحطب، فقالوا: يا رسول الله، نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب! قال: فليأتِ كلّ إنسان بما قدر عليه. فجاؤوا به حتَّى رموا بين يديه بعضه على بعضه، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: هكذا تجتمع الذّنوب، ثم قال: إيّاكم والمحقّرات من الذّنوب؛ فإنّ لكل شيء طالباً، ألا وإنّ طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين"8.

معاني وأوجه الإصرار: 
ذُكِر للإصرار عدة أوجه منها:
- أن يذنب الذَّنب فلا يستغفر منه أصلاً.
- أن لا يحدّث نفسه بتوبة، فذلك إصرار أيضاً.
- الإكثار من الذّنوب، سواء أكانت من نوع واحد أو أكثر.
- المداومة على نوع واحد منها.

والمحصّلة التربوية من فكرة الإصرار على الذَّنب، أن الاستغفار لا ينفع مع الإصرار على الذّنب المتكرِّر منه مهما كان الذنب صغيراً، وهذا معنى قولهم: "لا كبيرة مع الاستغفار "(طبقاً لشروط الاستغفار)! كما أنَّ من يكرّر الصَّغيرة ولا يتبعها استغفاراً فإنَّ ذلك يحوِّلُها إلى كبيرةٍ، وهو معنى قولهم: "لا صغيرة مع الإصرار". 

2- الاستهانة بالذَّنب:

قد مرَّ هذا الموضوع تحت عنوان المحقَّرات من الذّنوب، وقيل إنّ هذه الذُّنوب لا تُغفر بسبب تحقيرِها والاستهانةِ والاستخفافِ بها.

فلو فرضنا أنَّ أحداً رمى شخصاً عمداً بالرَّصاص فجرحه، وبعد ذلك أراد أنْ يتوبَ من ذنبه، فندم واعتذرَ من الشَّخص المضروب، فمن الممكن أن يسامحَهُ ويصفحَ عنه، مع أن ما ارتكبه كبيرةٌ!

ولكن لو فرضنا أنه رماه بالحصى الصغير عمداً مراراً، ولم يعتذر منه بحجَّة أنّها مسألةٌ بسيطةٌ وليست سبباً مهمّاً للاعتذار، واستخفَّ بهذا الأمر واستصغره، فمن الطَّبيعي أن لا يسامحَه ولا يصفحَ عنه؛ لأنّ ما فعلَهُ نابعٌ من تكبُّره واستهانته بذنبه.

وقد روي عن سماعة، أنه قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: "لا تستكثروا كثيرَ الخير، ولا تستقلّوا قليلَ الذّنوب؛ فإنّ قليلَ الذّنوب يجتمعُ حتَّى يكون كثيراً. وخافوا الله في السرّ حتَّى تقطعوا من أنفسكم النَصَف 9"10.

فينبغي على المؤمن أن لا يلتفت إلى قَدْرِ المعصية وحجمها، ولكن إلى قَدْرِ من عصى، فلا ينتهك حرمات الله تعالى.

3- الابتهاج والسُّرور واللذّة عند الابتلاء بالذَّنب:

الابتهاج هو الإحساس باللذّة والسُّرور عند اقتراف الذَّنب، كأنْ يشعرَ براحةٍ خاصَّةٍ لما يصدر عنه من معاصٍ، فإنَّ المعصية -وإن كانت صغيرةً- قد تتحوَّلُ إلى كبيرةٍ بسبب الابتهاج بها. فبعضهم يقع في المعصية فيسعد بها أو يتظاهر بالسَّعادة أمام الآخرين، فهذا السُّرور بالذَّنب أكبر من الذَّنب نفسه؛ فقد روي عن الإمام علي عليه السلام: "شرُّ الأشرار من يتبجَّحُ بالشرّ"11، وعنه عليه السلام أيضاً: "من تلذَّذ بمعاصي الله أورثه الله ذل"12. 
وروي عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "إيّاك والابتهاج بالذَّنب؛ فإن الابتهاج به أعظم من ركوبه"13. وعنه عليه السلام أيضاً: "حلاوةُ المعصية يفسدُها أليم العقوبة"14.

4- اقتراف الذَّنب عند الطُّغيان:

إنّ من الأسباب التي تبدِّل الصَّغائر إلى كبائر هو صدور الذَّنب عن حالة من الطُّغيان، والطُّغيان يعني تجاوز الحدّ. فتهاون الإنسان وارتكابه للصغيرة من غير أن يعبأ بأمرها هو مصداق للطُّغيان والاستهانة بأمر الله تعالى؛ فقد قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾15، وبالمقابل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفس عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾16. 

فالطُّغيان، إذن، وإيثار الحياة الدُّنيا يؤدّيان إلى الجحيم، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾17 فإنَّ ذلك يؤدّي إلى الجنة.

قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في وصيّته لابن مسعود: ولا تؤثرون الحياة الدُّنيا على الآخرة باللذات والشهوات؛ فإنّه تعالى يقول في كتابه: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنيا..﴾18،19. 

يقول الله متحدِّثاً عن جزاء الطغيان والطغاة: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَاد﴾20، ويقول أيضاً: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً لِلطَّاغِينَ مَآباً﴾21.

5- الاغترار بالسِّتر الإلهي: 

من الموارد التي تحوّل الذَّنب الصَّغير ذنباً كبيراً، أن يخالج المذنبَ تفكيرٌ بأنّ عدم مجازاة الله السريعة له تدلّ على عدم سخطه عليه، وأنه تعالى أمهله في الدُّنيا وسترَ عليه، ولن يعاقبَهُ في الآخرة.

وقد جاء معنى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾22، فهم كانوا يقولون لو كان محمد صلى الله عليه واله وسلم نبياً لعذّبنا الله، فقال تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّم﴾ أي يكفيهم ذلك عذاباً، وهذا دليل على اغترارهم بعدم تعرّضهم للعذاب في هذه الدُّنيا، وطمعهم بأن يكون ذلك هو مصيرهم يوم القيامة أيضاً!!

6- التَّجاهر بالمعصية: 

إنّ التَّجاهر بالذَّنب أمام النَّاس يبدِّلُ الذُّنوب الصَّغيرة إلى كبيرة؛ لأنَّ هذا التجاهر يعبِّر عن صفة التجرّؤ على الأوامر الإلهية والاستهانة بها.

فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال: "المستتر بالحسنة يعدل سبعين حسنة، والمذيع بالسيِّئة مخذولٌ، والمستتر بالسيِّئة مغفورٌ له"23.

فالمذيع بالسيِّئة مخذولٌ؛ لأنَّ في إذاعتها استخفافٌ بالدِّين، واستهانة بالذَّنب، وتبجّحٌ به، واستحسان له، وترويج له بين العوام، وهتكٌ لما ستره الله عليه بفضله، وكلُّ ذلك مذموم عقلاً ونقلاً، وفضلاً عن ذلك أنّه يقرب من الكفر.

روي عن الإمام علي عليه السلام: "إيّاك والمجاهرة بالفجور؛ فإنّه من أشد المآتم"24.

وعن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: "كلّ أمتي معافى إلا المجاهرين الذين يعملون العمل بالليل فيستره ربه، ثم يصبح فيقول: يا فلان، إنّي عملت البارحة كذا وكذا، فيكشف ستر الله عزوجل"25.

وروي عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّي لأرجو النّجاة لهذه الأمّة لمن عرف حقنا منهم إلا لأحد ثلاثة: صاحب سلطان جائر، وصاحب هوى أو الفاسق المعلن"26.

7- ذنوب المؤمنين: 

من خلال مراجعة الروايات نرى أنَّ أئمَّة أهل البيت عليهم السلام تحدّثوا عن هذا النوع من الذّنوب بشكلٍ خاص، لأنَّ له بعدين:
- البُعد الفردي: وهو الذي يكون نطاق أثره محصوراً بشخص المذنب.
- البُعد الاجتماعي: وهو الذي يتعدى نطاق تأثيره الجانب الفردي ليطال المجتمع لأن المذنب ليس فرداً عادياً.

فصاحب المقام الاجتماعي مثلاً، لو ارتكب ذنباً ما - وكان من الصغائر- فبالنسبة لشخصه فإنه يُعتبر صغيرةً، وأمّا بالنسبة إلى بُعده الاجتماعي فإنه يُعتبر كبيرةً؛ لأنه يوفّر الأرضية والبيئة للانحراف والإغواء للآخرين ما قد يؤدّي تدريجياً إلى الاستهانة بالأوامر المولوية لله تعالى. فقد رُوي أنّ الإمام الصادق عليه السلام خاطب شيعته قائلاً: "فإنّ الرجل إذا ورع في دينه، وصدق في الحديث، وأدّى الأمانة، وحسن خلقه مع الناس، قيل: هذا جعفري، فيسرّني ذلك، ويدخل عليّ منه السرور، وقيل: هذا أدب جعفر، وإذا كان على غير دلك دخل عليّ بلاؤه، وعاره، وقيل: هذا أدب جعفر"27.

ومن هنا كان ذنب المؤمن الذي يدّعي التولّي لأهل البيت عليهم السلام واتِّباعهم هو أشدّ من غيره، لأن ذنب الموالي ينسب لهم بالعنوان العام بنظر العرف، ولو كان على نحو التلميح والإشارة، وكفى بذلك توهيناً لأئمة الدِّين عليهم السلام وما يمثِّلونه من قيادة إلهية للناس. 

فقد روي عن الشَّقراني مولى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: خرج العطاء أيام أبي جعفرٍ المنصور ومالي شفيعٌ، فبقيتُ على الباب متحيّراً، وإذا أنا بجعفر الصادق عليه السلام ، فقمت إليه، فقلت له: جعلني الله فداك، أنا مولاك الشَّقراني، فرحَّبَ بي، وذكرتُ له حاجتي، فنزلَ ودخلَ، وخرج، وأعطاني من كمّه فصبّه في كمّي، ثم قال: "يا شقراني، إن الحَسَن من كلِّ أحدٍ حَسَنٌ، وإنّه منك أحسن لمكانك منّا، وإنّ القبيح من كلّ أحدٍ قبيح، وإنّه منك أقبح"28.

فالمفهوم من الرواية أن المقام الاجتماعي أو الديني، هو أحد أسباب شدّة قبح الذنوب، وأن فعل الخير والحسن، والطاعة التزاماً وتمسّكاً بالولاية، يترتّب عليه ثواب يتناسب مع هذا القرب والولاء والتمسُّك بهم، وهو ما عبَّرت عنه بعض الرِّوايات بعبارةِ "لمكانك منّ" أو "قربك منّ".


المفاهيم الرئيسة

1. المؤمن بالله يفرح بطاعته لله عزّ وجلّ، ويحزن لمعصيته ويندم عليها، ويتجنَّبَ الصَّغائر دائماً، ويلتفت بحرص على الموارد التي يمكن أن تنقلب فيها هذه الصَّغائر إلى كبائر.

2. الإصرار على الذنوب الصغيرة وعدم المبادرة إلى التوبة، من الأمور التي يمكن بسببها أن تنقلب هذه الصغائر إلى كبائر.

3. الاستهانة والاستخفاف بأمر الله تعالى وعدم رعاية الحرمات الإلهية مهما صغرت أو قلّ شأنها من العوامل التي تحوِّل الصغائر إلى كبائر.

4. السُّرور والابتهاج بالذَّنب أعظم من ركوبه، فالذي يفرح بما اقترفته يداه من الآثام مهما كانت صغيرة لن يمرَّ وقت حتى تنقلب آثامه الصغيرة إلى كبائر.

5. اغترار الإنسان بعدم مجازاة الله السريعة له، وأنه تعالى أمهله في الدُّنيا وسترَ عليه، ولن يعاقبَهُ في الآخرة من الموارد التي تحوَّل الذَّنب الصَّغير ذنباً كبيراً. 

6. المجاهرة بالذَّنب أمام النَّاس يبدِّلُ الذُّنوب الصَّغيرة إلى كبيرة؛ فهو يكشف عن صفة التجرّؤ على الأوامر الإلهية والاستهانة بها.


للمطالعة

سقر تحرق جهنّم

إن جميع نيران جهنم، وعذاب القبر والقيامة وغيرها مما سمعت، هي جهنم أعمالك التي تراها هناك كما يقول تعالى: ﴿... وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا...﴾29. 
لقد أكلت مال اليتيم وتلذَّذت بذلك ولكن الله وحده يعلم ما هي صورة هذا العمل في ذلك العالم والتي ستراها في جهنم، وما هي نتيجة اللذة التي ستكون نصيبك هناك؟ الله يعلم أي عذاب شديد ينتظرك بسبب تعاملك السيّء مع الناس وظلمك لهم في ذلك العالم؟ ستفهم أي عذاب قد أعددت لنفسك بنفسك، عندما اغتبت؟ فإنّ الصورة الملكوتية لهذا العمل قد أعدت لك وسترد عليك وتحشر معها، وستذوق عذابها، وهذه هي جهنّم الأعمال وهي يسيرة وسهلة وباردة وملائمة للعاصين، وأما الذين زرعوا في نفوسهم الملكة الفاسدة والرذيلة السيئة الباطلة كالطمع والحرص والجدال والشره وجب المال والجاه والدنيا وباقي الملكات، فلهم جهنم لا يمكن تصوّرها، لأن تصوّر تلك لا يمكن أن تخطر في قلبي وقلبك، بل تظهر النار من باطن النفس ذاتها، وأهل جهنم أنفسهم يفرون رعباً من عذاب أولئك، وفي بعض الروايات الموثقة أن هناك في جهنم وادياً للمتكبرين يقال له "سقر"، وقد شكا الوادي إلى الله تعالى من شدة الحرارة وطلب منه سبحانه أن يأذن له بالتنفّس، وبعد أن أذن له تنفس، فأحرق سقر، جهنم30.

وأحياناً تصبح هذه الملكات سبباً في أن يخلد الإنسان في جهنّم لأنها تسلبه الإيمان كالحسد الذي ورد في رواياتنا الصحيحة عن أبي عبدالله عليه السلام: قال: "إنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الإيمَانَ كَمَا تَأْكُلَ النَّارُ الحَطَبَ"31. وكحب الدنيا والجاه والمال... 32
1- البقرة، 168.
2 - عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج1، ص193.
3 - وسائل الشيعة، ج11، ص368.
4 - آل عمران، 135.
5 - راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج4، ص21.
6- أصول الكافي، ج2، ص288. 
7 - وسائل الشيعة، ج11، ص368. 
8 - أصول الكافي، ج2، ص288. 
9- النَصَف والنصفة (بفتحتين): اسم من الإنصاف، وهو لزوم العدل في المعاملات مع الله تعالى وغيره.
10 - أصول الكافي، ج2، ص287.
11-غرر الحكم، ص462.
12 - غرر الحكم، ص186.
13 - بحار الأنوار، ج75، ص159.
14 - غرر الحكم، ص186.
15 - النازعات، 37-39. 
16 - النازعات، 40-41.
17 - النازعات، 40-41.
18- النازعات، 37- 38. 
19- مكارم الأخلاق، ص455.
20 - ص، 55- 56.
21 - النبأ، 21- 22.
22 - المجادلة، 8.
23- أصول الكافي، ج2، ص428. 
24- مستدرك الوسائل، ج11، ص368.
25 - كنز العمال، ج4، ص239. 
26- الكافي، ج8، ص128.
27- أصول الكافي. ج2، ص636.
28- بحار الأنوار، ج47، ص350.
29- الكهف،49.
30-عن أبي عبدالله أن في جهنم لوادياً للمتكبرين يقال له سقر، شكا إلى الله عز وجل شدة حرّه فسأله أن يأذن له أن يتنفس فتنفس فأحرق جهنم أصول الكافي، المجلد الثاني، باب الكبر ـ ح 10
31 - أصول الكافي،ج2،باب الحسد، ح2.
32 - الأربعون حديثا، الإمام الخميني ،الحديث الأول، ص 49.

السبت، 14 نوفمبر 2015

قضاء الحاجات ((رشحات أخلاقية))

قضاء الحاجات
((رشحات أخلاقية))

ليس قضاء الحاجة للمؤمن بالأمور المادية فقط، وإنما الأمور المعنويّة قد تكون أهم من المادية، والعباد كلهم عيال الله، وقضاء حوائجهم وإدخال السرور إلى قلوبهم من موجبات رضا الله سبحانه، ولعلّه من أهم فرص وطرق التقرب إلى الله سبحانه هو السعي في قضاء حوائج المؤمنين، حتى لو لم تستطع قضاءها فإن شعور أخيك المؤمن أنك إلى جانبه وإدخالٌ للسرور إلى قلبه وأنه ليس وحيداً، إنه باب وسيع جداً فتحه الله لنا، له آثاره الأخروية الكبيرة، وانعكاساته في المجتمع، من أراد أن يكثر إخوانه وأحباؤه وأصدقاؤه ويكون له مكانة اجتماعية و... فليسعَ في قضاء حوائج المؤمنين.

لماذا لا نعطي دقائق من يومنا نسعى فيها لنشر السرور؟!

الحسين عليه السلام وحبّ لقاء الله ((زاد عاشوراء))

الحسين عليه السلام وحبّ لقاء الله
((زاد عاشوراء))


جاء في ذكر السجدة بعد زيارة عاشوراء: "اللهمّ ثبّت لي قدم صدق عندك مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام".


حبّ لقاء الله من صفات الموفّقين لنصرة الحسين عليه السلام:

لقد بيّن الإمام الحسين عليه السلام مقام أصحابه ورفعة درجتهم فقال عليه السلام: "فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي"1.

وبهذا الوصف ينفي الإمام الحسين عليه السلام على طول الأزمنة السابقة على الثورة الحسينيّة أو اللاحقة بها، أن يكون لأصحابه نظير أو مثيل، فهيهات أن يجود الزمان بأمثالهم، علماً أنّه يقول ذلك فيهم رغم من تقدّم في الزمن من أصحاب جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وأبيه المرتضى عليه السلام وأخيه الحسن المجتبى عليه السلام، وإذا عدنا إلى كلمات الإمام الحسين عليه السلام نجد أنّه عليه السلام ذكر في صفات المؤهّلين لنصرته عليه السلام، إمّا على نحو الإخبار وهو الأقرب، أو على نحو الاشتراط لتأكيد الصفتين، فقال عليه السلام في بيانه خارجاً من مكّة إلى العراق: "خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة من جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف... (إلى أن يقول:) ... ألا ومن كان باذلاً فينا مهجته، موطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله"2.

وفي هذا إشارة إضافة إلى ما أسلفنا إلى ميزتين تميّز بهما أنصار الحسين عليه السلام حتّى كانوا خير أنصار، وهما:
1- محبّة عظيمة لأهل البيت تتجسّد بذلاً للمهج في حبّهم عليهم السلام.
2- توطين النفس على لقاء الله تعالى.

والكلام سيقتصر على الصفة الثانية، وهي حبّ لقاء الله وتوطين النفس عليه.


معنى لقاء الله:

لا شكّ أنّ الله عزَّ وجلَّ لا يوصف بالقرب ولا بالبعد الزمانيّ ولا المكانيّ، بل هو حاضر حضوراً قيوميّاً، وهو القائم على كلّ نفس.

ولذلك فهو "بَعُد فلا يُرى وقَرُب فشهد النجوى تبارك وتعالى"3 فاللقاء بالله بالنسبة للآخرة حتميّ، وبالموت كذلك، وأمّا اللقاء به تعالى في الحياة الدنيا فإنّه حاصل بشرط سعي الإنسان للقائه تعالى، وعلى الطريق الموصل، وباتّباع الدليل الصادق.

وإلّا كان السائر مع الجهل، سائراً على غير الطريق لا يزيده كثرة السير إلّا بُعداً، فلقاء الله تعالى، هو الاتصاف بصفات والقيام بأعمال، تجعلنا محلّ نظره الشريف ومحبّته، فيكون على أثر ذلك الجذب الإلهيّ لنا عبر قلوبنا، لتصل أرواحنا إلى مقام من مقامات القُرب منه حيث أرقاها ما طلبه أمير المؤمنين عندما قال: "وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك"4.

فلقاء الله حتميّ كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾5، لكنّ اللقاء أين ومتى وكيف وعلى أيّ حال هو المعتبر، فقد يكون إيجابيّاً فيكون في درجات المقرّبين، وقد يكون سلبيّاً 
في دركات المبعدين.


توطين النفس على لقاء الله:

وهي العبارة التي استخدمها الإمام الحسين عليه السلام والتوطين معناه تثبيت حبّ لقاء الله أو على الأقل اليقين بلقائه تعالى، والذي يعني اليقين به وبيوم القيامة، وهذا يعني تثبيت المعرفة بالله تعالى وتطويرها وتنميتها بدءاً بالنظر والتأمّل والتفكّر والتعلّم، وذلك عبر الأدلّة ولو على نحو دليل الإعرابي: البعرة تدلّ على البعير، وأثر السير يدلّ على المسير، أفأرض ذات أفجاج وسماءٌ ذات أبراج أفلا يدلّان على اللطيف الخبير.

فالمهمّ انفعال النّفس بهذا الدليل وتحولّه من العقل إلى القلب ليصبح يقيناً وطمأنينة.

فالمطلوب الانتقال من المعرفة العقليّة إلى المعرفة القلبيّة ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾6 والتدرّج بها لتتحوّل من الحدس إلى الحسّ، وتترقّى لتصبح معايشة شعوريّة حيث يتمّ طيّ المسافات بين العقل والقلب ليصبح ما كان غيباً كالأمر المشاهد المحسوس، بل المعايش بكلّ المشاعر. وإنّما يبقى الاستدلال البرهانيّ حاجة إذا لم يصل إلى اليقين، فمع وصوله درجة اليقين لا طلب لمزيد من الأدلّة، وإذا ترقّى ليصبح حالة من المشاهدة القلبيّة والمعايشة الشعوريّة فينتقل حينها إلى درجة: "لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً"7.

وتُكشف الحجب، بل تكاد تزول، ليصبح الله قبل كلّ شيء ومع كلّ شيء وبعد كلّ شيء.

وليكتشف بعدها حقيقة قول الإمام الحسين عليه السلام: "عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيباً"8.


التوطين للقاء المؤهّل لنصرة الحسين عليه السلام:

لقد قدّم الإمام الحسين عليه السلام لعبارته "موطّناً على لقاء الله نفسه" بأمور يستفاد منها أنّها قوام هذا التوطين وشروطه، وهي:
1- الموت في سوح الجهاد، حدث جميل ينزل بصناع الفعل الجميل، وهو الجهاد كرامة يقلّدهم الله إيّاها "خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة من جيد الفتاة".
2- لقاء الله عبر الشهادة في سوح الجهاد وسيلة للالتحاق بركب الصالحين، هذا اللقاء هو محلّ وَلَهٍ وعشق.
3- الشهادة مع الحسين عليه السلام نصرة له وذوداً عنه وعن أهل بيته "باذلاً فينا مهجته".


خاتمة: لقاء الله بالشهادة بين يديّ الحسين عليه السلام:

صحيح أنّ بيان الحسين عليه السلام لصفتين من صفات الموفقيّة لنصرته، وهما توطين النفس على لقاء الله وبذل المهج فيهم عليه السلام، قد تحملان على صفتين مستقلّتين.

لكن لعلّ مراده عليه السلام هو الدمج بين الصفتين وهي حبّ لقاء الله تعالى مضرّجين بدماء الشهادة في سبيل الله، حبّاً للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولعترته الطاهرة، البالغ درجة سفك الدماء على هذا الحبّ مع اليقين بالقتل والشهادة، وقرّروا الرحيل معه ليلاقوا الله في موكب الحسين شهداء، وقد عبّر عن ذلك أبو الفضل العبّاس نيابة عنه وعن إخوته وبني أخيه عليه السلام عندما طلب الحسين عليه السلام منهم النجاة بأنفسهم فقال عليه السلام: "لِمَ نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبداً"9.

ومن إجابات الأصحاب نذكر إجابة زهير بن القين رضوان الله عليه: "لقد سمعنا يا بن رسول الله مقالتك، ولو كانت الدنيا باقية وكنّا فيها مخلّدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها"10.

فيما جسّد برير رضوان الله عليه الرؤية التي ذكرنا عندما قام قائلاً: "يا بن رسول الله لقد منّ الله بك علينا أن نقاتل بين يديك فتقطّع فيك أعضاؤنا، ثمّ يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة"11.

ونحن نقول كما علّمنا أن ندعو حال السجود في زيارة عاشوراء: "اللهم ثبّت لي قدم صدق عندك مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام".

* كتاب زاد عاشوراء، إعداد معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- الإرشاد، ج 2، ص 91. 
2- لواعج الأشجان، ص 70. 
3- كما في دعاء الافتتاح، مفاتيح الجنان، أعمال شهر رمضان المبارك.
4- المناجاة الشعبانيّة، مفاتيح الجنان، أعمال شهر شعبان.
5- سورة الانشقاق، الآية 6.
6- سورة الحجر، الآية 99.
7- مناقب آل أبي طالب، ج 1، ص 317.
8- دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة.
9- الإرشاد، ج 2، ص 91.
10- أنصار الحسين عليه السلام الثورة والثوّار السيّد محمّد الحلو، ص50 - 51.
11- المصدر نفسه، ص 57- 58.

انتظار الفرج ((زاد عاشوراء))

انتظار الفرج
((زاد عاشوراء))

عن أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل العبادة انتظار الفرج"1.


انتظار الفرج عبادة وجهاد:

من الأمور المؤكّدة وفي روايات كثيرة حثّ على انتظار الفرج، وبالأخصّ الفرج للبشريّة وللإنسانيّة بظهور مخلّصها وباني مجدها ومقيم العدل في أرجاء مسكونتها الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ومن هذه الروايات ما نقله الإمام العسكريّ عليه السلام عن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج"2.

بل إنّ بعض الروايات جعلت هذا الانتظار عبادة، بل أفضل العبادات، وهذا ما نقله أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل العبادة انتظار الفرج" كما تقدّم.

وهو جهاد، بل أفضل أنواع الجهاد كما جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل جهاد أمّتي انتظار الفرج"3.

ولا يخفى بعد المرور على المعنى اللغوي لانتظار الفرج والذي يفضي إلى أنّ الانتظار هو حالة نفسانيّة ينبعث منها التهيّؤ لما تنتظره، وضدّه اليأس، فكلّما كان الانتظار أشدّ كان التهيّؤ آكد...4.

مع ما ورد بأنّ الانتظار عبادة بل أفضل العبادة، وجهاد بل أفضل الجهاد حيث عدّته من العبادة والجهاد، كلّ ذلك لا يبقي مجالاً ليشكّ أحد بأنّ الانتظار المطلوب هو الانتظار المقرون بالعبادة والعمل والمعرفة والجهاد أي الانتظار الإيجابيّ ولا معنى لصرف الجهد في بيان أنّه هو المطلوب.


بركات الانتظار وآثاره:

إنّ البشارة بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف واليقين بتحقّق الوعد الإلهيّ له آثاره الإيجابيّة في الفرد والمجتمع على صعيد التفكير والإيمان والسلوك والعمل، فحالة الانتظار لهذا الوعد والتماهي معها تشكّل حالة فعّالة في شتّى أبعاد النّفس البشريّة ومنها:

1- النظرة التفاؤليّة للحياة ولمآل المسيرة البشريّة: 
وهذا ما يدفع النظرة السوداويّة التشاؤميّة التي تورث الكآبة وتزيل المجهوليّة التي بنفسها تجعل الإنسان ثقيل الخطى في سيره الدنيويّ في العمل والعلاقات وهذا ما يحفّز الإيجابيّة في العلاقات والعمل.

2- زرع الأمل في النّفوس المنتظرة:
إذ يشكّل الإيمان به عجل الله تعالى فرجه الشريف وانتظاره حالة من الطمأنينة في خضمّ المشاكل والصعوبات والبلاءات أنّه ثمّة حلول قادمة لا محالة، فلا سقوط أمامها، بل تتولّد من ذلك شحنات معنويّة تصلّب الإرادة وتقوّي العزيمة وتولّد الثقة أمام كلّ التحدّيات وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الأمل رحمة لأمّتي ولولا الأمل ما رضَّعت والدة ولدها ولا غرس غارس شجراً"5.

وهذا الأمل أمل حقيقيّ واقعيّ وليس خياليّاً يغذِّيه الوعد الإلهيّ: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾6.

وما جاء على لسان الصدق الأعظم النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تقوم الساعة حتّى يقوم قائم الحقّ منّا، وذلك حين يأذن الله عزَّ وجلَّ له، ومن تبعه نجا، ومن تخلّف عنه هلك... الله الله عباد الله، فأتوه ولو على الثلج، فإنّه خليفة الله عزَّ وجلَّ وخليفتي"7.

فهذا الأمل يولّد طاقة على الحركة وقوّة دافعة للسعي والتحرّك بدون كلل ولا تعب، وهذه القوّة المتولّدة من هذا الأمل تكاد تلغي بل هي تمحو العناء والتعب لتملأ كيان المنتظر بالسعادة تحدوها اللهفة للظهور المبارك المحتوم ولقاء القائد الإلهيّ ليستتم وعد الله لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾8.

3- اليقين بالنصر النهائيّ:
فبالوعد الإلهيّ يحصل اليقين بنصر الله لوليّه الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف والهزيمة الحتميّة للكافرين والظالمين، فلا شكّ ولا ريب بهذه النتائج إضافة إلى إقامة دولة العدل الإلهيّ على شتّى أرجاء المعمورة، هذا النصر لن يكون نصراً مرحليّاً وإنّما هو نصر نهائيّ ستبقى مفاعيله، وعندما ننتظر مثل هذا النصر مع اليقين بأنّه قادم فإنّ ذلك يجعلنا ندرك أنّ أعمالنا الصالحة وخطانا السليمة في طريق هذا المشروع الإلهيّ لن تذهب سدى، بل ستنضمّ إليها جهود الأجيال وتتراكم لتثمر في غد الظهور المبارك الآتي حتماً.

4- الثبات والصمود:
قد يعيش المؤمنون أوضاعاً مؤلمة ومريرة ويمرّون بظروف قاسية من جرّاء مواجهة الكفر والانحراف وهذا ما وعدنا به رسول الله في قوله لابن مسعود: "يا بن مسعود، يأتي على النّاس زمان الصابر على دينه مثل القابض على الجمرة بكفّه"9.

فإن كان المؤمن معتقداً أن لا أفق أمامه للحلّ، وأنّه وحيد في هذه المعتركات فستضعف قدرته وقد يسقط في الاختبار والامتحان، وأمّا مع وجود الأمل بالخلاص فإنّ الصمود يقوى ويشتدّ فلا استسلام أمام الصعوبات والضغوط.

وهذا ما يجعل المؤمن ثابتاً على إيمانه ومعتقده فلا تزول نفسه ولا تزلّ قدمه.

5- توثيق الارتباط بالغيب:
وقد قال تعالى إنّه من صفات المتّقين المؤمنين أنّهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب﴾ وجاءت الروايات ربّما من باب التطبيق لتشير أنّ الغيب هو الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف وإذا حاولنا أن نكون منصفين فإنّ الإيمان بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف أحد أهمّ الاختبارات والامتحانات للإيمان بالغيب، فالانتظار هو إحدى الممارسات العمليّة لهذا الإيمان، وهو يعمّق الرابطة بالغيب، فهو يدعونا - لنحسن انتظاره - أن نتعرّف عليه وعلى حقيقة قضيّته بل حقّانيّتها والبحث عن الدور والوظيفة التي أنيطت بنا اتجاهه، وكيف نبني العلاقة معه؟، وماذا علينا أن نفعل لنكون قريبين منه مقبولين عنده؟ إضافة إلى أمر رئيسيّ وهو مع تحصيل اليقين بالوعد الإلهيّ والانتظار نخرج من حالة تربيب الأسباب الماديّة، والواقع ومعادلات السياسة والاقتصاد والأمن مهما تجبّر المتجبّرون واستكبر المستكبرون.

وهذا ما يورث التوازن بين الأبعاد الغيبيّة والمعادلات الماديّة وهذا يورث التحرّر والقوّة أمام هذه المعادلات بالاستقواء بالغيب ووعوده المحتومة.


خاتمة:

نحن في زمن أصبح النّاس فيه عبيداً يرببون القوّة، قوّة المال والسلطة، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، ونحن والبشريّة نحتاج دائماً إلى ما يعيدنا إلى رشدنا ويحرّرنا من هذه العبوديّة ونحن المؤمنين خصوصاً نحتاج إلى دوام تعزيز الرابطة بالغيب والثقة بالله تعالى وأوليائه.

والإيمان بوجود الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف مع غيبته، يولّد بل يعزّز الثقة بالعناية والرعاية الغيبيّة والإلهيّة بألطافه تعالى بنا وخصوصاً عبر شمسه التي يجلّلها سحاب الغيبة إلى زمن انقشاعها عن وجهه النورانيّ.

* كتاب زاد عاشوراء، إعداد معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- كمال الدّين وتمام النعمة، ص 287.
2- كمال الدّين وتمام النعمة، ص 644.
3- بحار الأنوار، ج 74، ص 141.
4- مكيال المكارم، ج2، ص136.
5- بحار الأنوار، ج 74، ص 173.
6- سورة القصص، الآية 5.
7- دلائل الإمامة، ص 452.
8- سورة الصفّ، الآية 9.
9- بحار الأنوار، ج 74، ص 98.

الخميس، 5 نوفمبر 2015

وجوه جميلة للبلاء ((زاد عاشوراء)) قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾1.

وجوه جميلة للبلاء
((زاد عاشوراء))
قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ1.

الاختبار والبلاء سنّة إلهيّة:
لقد وردت عبارة ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وما في معناها كثيراً في القرآن الكريم جاءت لتؤكّد بهذا التكرار أنّ الاختبار والامتحان هو قانون وسنّة إلهيّة شاملة لكلّ النّاس طالما أنّهم في دار التكليف دار الدّنيا فالإنسان جُعل في دار الدّنيا لا لأجل الدّنيا فإنّ الدّنيا حياة ونشأة من نشآت الوجود الإنسانيّ يعبرها الإنسان في مدّة محدودة وقصيرة ليصير بعدها إلى دار مستقرّه ودار خلوده والدّار التي هي آخر منازله والمملوءة حياة: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ2.


ومن طبيعة الدّنيا أنّها حفّت بالشهوات والمكاره، وأنّ كونها كذلك لتلائم الحكمة من خلق الإنسان.

فهذا النظام الذي اسمه الدّنيا والذي نسمّيه الكون يتّجه إلى نهايته وفنائه، فهو منذ وجوده كان ليكون مؤقّتاً وإلى أجل مسمّى عند الخالق تعالى، وبعده سيكون عالم آخر له نظامه المختلف، فهذا العالم غير قابل للبقاء والخلود فأولى أن لا يخلد ولا يبقى فيه عمّاره وسكّانه والمستخلفون فيه، أمّا العالم الآخر فمعاييره ونظامه تُلائم كونه دار خلود وبقاء، وعلاقته بهذه الدّنيا علاقة النتيجة بالسبب، فهنا العمل وهناك الأثر، أي الجزاء الحقيقيّ، فالله قد ربط بين العالمين والنشأتين، من جملتها أنّه أقام علائق بين العمل في الدّنيا والجزاء في الآخرة.

وعندما نتحدّث عن كون الدّنيا دار عمل وليست دار جزاء حقيقيّ فنعني بذلك أنّ الدّنيا دار ليحصل الإنسان على أكمل وأفضل نتائج وجوده، فيها يحتاج إلى عمل وجهاد وصبر وتضحيات ومعاناة وتحمّل ليكون من الرابحين والفائزين والمفلحين، ولعلّ الله أشار إلى هذا بقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ
3.

فلسفة البلاء أو الاختبار الإلهيّ:
قد يتبادر إلى ذهن البعض نتيجة أنسه بالأعمال البشريّة والصفات المحدودة للبشر أنّ من يختبر يهدف إلى رفع جهله والإبهام. إلّا أنّ ذلك ليس هو المراد عندما ينسب الابتلاء إلى الله تعالى، لأنّه تعالى لا يعتريه جهل ولا يلفّ شيئاً دونه الغموض والإبهام، فالأشياء والأفعال حاضرة عنده معلومة كما أنّها موجودة بل حتّى قبل وجودها، وبالتالي فمعنى الابتلاء الإلهيّ للبشر هو تكليفهم بأمور الغرض منها إخراج ما في نفوسهم من استعدادات وقابليّات حسنة إلى مقام الفعل أي لتصبح أفعالاً خارجيّة لهم وصفات فعّالة في نفوسهم.

ولنقرّب المفهوم نقول: إنّ المزارع عندما ينثر البذور الصالحة في الأرض القابلة للإنبات والصالحة إنّما يلقيها لكي تستفيد هذه البذور ممَّا تكتنزه الأرض من موادّ تصلح لحياة هذه البذرة وصيرورتها نبتة تستفيد من هذا المخزون لتنمو وتزهر وتثمر، لكن ذلك لا يحصل ما لم تصارع هذه البذرة كلّ المعوّقات لنموّها ونباتها وتتجاوز الصعاب وتقاوم الحوادث التي تشكّل تحدّيات لوجودها ولنموّها كالرّياح والبرد والحرارة المرتفعة.

فالبلاء هو وسيلة لتفجير طاقات البشر وتطوير قابليّاتهم ليترقوا في الدّنيا ويتطوّروا، وكذلك ليبنوا أنفسهم بما يجعلهم من أهل الخلود في دار النعيم المقيم. يقول عن ذلك أمير المؤمنين عليه السلام: "... وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم ولكن لتظهر الأفعال التي بها تستحقّ الثواب والعقاب"4.

آثار وبركات البلاء:


قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ5 فهذه الآية تقول: إنّ البلاء والابتلاء والاختبار كما يكون بما تكره النفوس وما يؤلمها وهو المفهوم عند النّاس كذلك يكون بالمحبوب لها والمرغوب عندها من نعم ومناصب. ولكنّ الله تعالى يقول: إنّ ذلك "فتنة" أي تمييزٌ للنّفوس، إذ إنّ بعض النّفوس يزلزلها النعيم ويخرجها عن الصراط المستقيم، أو يربّي فيها الشكر ومعرفة النّعمة والمنعم وأخرى بالعكس، وقد ذكرت الروايات آثاراً وبركات للبلاء والابتلاء جمعتها الرواية التالية عن الإمام عليّ عليه السلام:"إنّ البلاء للظالم أدب وللمؤمن امتحان وللأنبياء درجة"6.

ومن الآثار والبركات تفصيلاً:
1- في البلاء ألطاف خفيّة:
عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ بلاياه محشوّة بكراماته الأبديّة ومحنه مورثة رضاه وقربه ولو بعد حين"7.
2- تربية وعناية إلهيّة لأجل التكامل:عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله يغذّي عبده المؤمن بالبلاء كما تغذّي الوالدة ولدها بالّلبن"8.
3- للتذكير به تعالى ولقمع التوثّب للكبر:عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لولا ثلاثة في ابن آدم ما طأطأ رأسه شيء: المرض والموت والفقر، وكلّهن فيه وإنّه لمعهن لوثّاب"9.
4- تمحيص الذنوب:عن الإمام عليّ عليه السلام: "الحمد لله الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدّنيا بمحنتهم لتسلم بها طاعتهم ويستحقّوا عليها ثوابها"10.
5 - لعدم الركون إلى الدّنيا والرغبة في لقاء الله تعالى:عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "يقول الله عزَّ وجلَّ: يا دنيا تمرّري على عبدي المؤمن بأنواع البلاء، وضيّقي عليه في معيشته ولا تحلولي فيركن إليك"11.
6- موجب لمحبّة الله وعلامة عليها:عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله تبارك وتعالى إذا أحبّ عبداً غتّه بالبلاء غتّاً وثجّه بالبلاء ثجّاً فإذا دعاه قال: لبّيك عبدي، لئن عجّلت لك ما سألت إنّي على ذلك لقادر ولكن ادّخرت لك فما ادّخرت لك خير لك"12.

كيف ننجح في اختبار البلاء والمحن:
يحتاج الإنسان في مواجهة محن الحياة وبلاءاتها المتعاقبة إلى جملة أمور نختصرها بالتالي:

1- عدم الغفلة عن حقيقة الدّنيا وكونها دار بلاء وعمل وليست دار نعيم، فلا يتوقّعنّ منها غير ما وجدت لأجله.
2- الطمأنينة والثبات وعدم الجزع: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ13.وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "نزلت أنفسهم منهم في البلاء كما نزلت في الرخاء"14.

3- الصبر والتحمّل وصولاً إلى التسليم بل إلى حبّ تدبير الله. عن الإمام الكاظم عليه السلام: "لن تكونوا مؤمنين حتّى تعدوا البلاء نعمة والرخاء مصيبة وذلك أنّ الصبر عند البلاء أعظم من الغفلة عند الرخاء"15.

4- حسن الظنّ بالله تعالى: عن صادق أهل البيت عليهم السلام فيما أوصى الله لموسى عليه السلام:"... وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي فليصبر على بلائي وليشكر نعمائي وليرض بقضائي أكتبه في الصدّيقين عندي"16.

5- اغتنام الوقت والعمر: قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ17.

خاتمة: قدوة الصامدين:

يروى أنّه لمّا حمل عليّ بن الحسين عليه السلام إلى يزيد بن معاوية فأوقف بين يديه قال يزيد لعنه الله:﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، فقال عليّ بن الحسين عليه السلام: "ليست هذه الآية فينا، إنّ فينا قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا"18.

انظر كيف يحاول الطاغية أن يستغلّ الفرصة لإسقاط الروح المعنويّة للإمام السجّاد عليه السلام، وكيف يعطينا الإمام درساً في الثبات وعدم السقوط أمام محاولات الأعداء أن يستغلّوا ما يصيبنا من مصائب ليهزمونا نفسيّاً ويسقطونا معنويّاً. والثبات المعنويّ والنفسيّ نوع من أنواع الانتصار كما الانتصار المادّيّ.
* كتاب زاد عاشوراء، إعداد معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- سورة الملك، الآية 2.
2- سورة العنكبوت، الآية 64.
3- سورة العنكبوت، الآية 2.
4- نهج البلاغة (الكلمات القصار)، رقم 93.
5- سورة الأنبياء، الآية 35.
6- مستدرك الوسائل، ج 2، ص 438.
7- بحار الأنوار، ج 75، ص 200.
8- بحار الأنوار، ج 78، ص 195.
9- الدعوات للراونديّ، ص 171.
10- بحار الأنوار، ج 64، ص 232.
11- بحار الأنوار، ج 69، ص 52.
12- الكافي، ج 2، ص 253.
13- سورة البقرة، الآيتان 156 و157.
14- نهج البلاغة، خطبة المتّقين.
15- بحار الأنوار، ج 64، ص 237.
16- الكافي، ج 2، ص 62.
17- سورة مريم، الآية 39.
18- سورة الحديد، الآية 22.

ردّ المظالم ((زاد عاشوراء))

ردّ المظالم
((زاد عاشوراء))

روي أنّ قائلاً قال بحضرة أمير المؤمنين عليه السلام: استغفر الله فقال له عليه السلام: "ثكلتك أمّك! أتدري ما الاستغفار؟ إنّ الاستغفار درجة العلّيّين وهو اسم واقع على ستّة معان: أوّلها الندم على ما مضى، الثاني العزم على ترك العود إليه أبد، والثالث أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى الله سبحانه ليس عليك تبعة، الرابع أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها فتؤدّي حقّه، والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتّى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد، والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول: استغفر الله!"1.


ردّ المظالم شرط في قبول التوبة:

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ...﴾2.

لقد استخدم الله في هذه الآية صيغة المبالغة من اسم الفاعل تائب وهي توّاب وجعلها على صيغة جمع المذكّر السالم. فالتوّاب معناه هو المبالغ في توبته الذي قد يكون كثير التوبة بمعنى كثير الرجوع إلى ربّه عند الذنب طلباً للمغفرة والعفو والستر. وقد يكون هو المبالغ بمعنى الشديد التحرّي لأعماله والشديد الطلب لوجوه التوبة منها، فيتوب من صغيرها وكبيرها، ويكون في توبته متحرّياً أن تكون تامّة وكاملة بمعنى واحدة لجميع شرائط الصحّة والقبول بل حتّى الكمال، وذلك لتكون تامّة الأثر من حيث محوها للذنوب وإيجابها العفو والمغفرة بل إيجابها أكمل ثمارها وهي التحوّل من مبغوضيّة المذنب على الله إلى درجة المحبوبيّة منه تعالى.

ولن يكون ذلك إلّا بفعل ما يمحوها من صحيفة الأعمال، ويزيلها من نفسه ومن نفوس النّاس.

ولذا كان إضافة إلى ركنيها وهما: النّدم على الذنوب والعزم على تركها وعدم العود إليها أبد، شرائط كمال وشرائط قبول ومن شرائط القبول منضمّاً إلى أداء حقّ الخالق أداء حقوق المخلوقين.

فقد يكون الذّنب المُرتَكَب هو مظلمة أوقعها الإنسان على أخيه الإنسان، فعليه الخروج من هذه المظلمة بأداء حقّ المخلوق إليه.


لماذا علينا ردّ المظالم؟

والجواب إضافة إلى كونه شرطاً في قبول التوبة هو أنّ ظلم الإنسان لأخيه الإنسان من الذنوب التي لا يغفرها الله، بل هي موكولة إلى صاحبها فإمّا أن يسامح فتغفر أو أن لا يسامح فتبقى ويكون الاقتصاص يوم القيامة يوم ينادي الله تعالى الخلق: "أنا الله لا إله إلّا أنا الحكم العدل الذي لا يجور، اليوم أحكم بينكم بعدلي وقسطي، لا يظلم اليوم عندي أحد، اليوم آخذ للضعيف من القوي بحقّه ولصاحب المظلمة بالقصاص من الحسنات والسيّئات وأثيب على الهبات ولا يجوز هذه العقبة عندي ظالم ولا أحد عنده مظلمة إلّا مظلمة يهبها صاحبها وأثيبه عليها، وآخذ له بها عند الحساب فتلازموا أيّها الخلائق واطلبوا مظالمكم عند من ظلمكم بها في الدّنيا وأنا شاهد لكم بها عليهم وكفى بي شهيداً..."3.

فإذاً علينا أن نتخلّص من هذه المظالم قبل ذلك الموقف خصوصاً أنّها من الذنوب التي أوكل أمرها إلى أصحابها روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنّه عندما سئل أن يبيّن الذنوب المغفورة من غيرها قال: "أمّا الذنب المغفور فعبد عاقبه الله تعالى على ذنبه في الدّنيا، فالله أحكم وأكرم من أن يعاقب عبده مرّتين، وأمّا الذي لا يغفر فمظالم العباد بعضهم لبعض، إنّ الله تبارك وتعالى إذا برز لخلقه أقسم قسماً على نفسه فقال: وعزّتي وجلالي لا يجوز في ظلم ظالم، ولو كفّ بكفّ ولو مسحة بكفّ... فيقتصّ الله للعباد بعضهم من بعض حتّى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة، ثمّ يبعثهم إلى الحساب... وأمّا الذنب الثالث، فذنب ستره الله على عبده ورزقه التوبة، فأصبح خاشعاً من ذنبه راجياً لربّه، فنحن له كما هو لنفسه نرجو له الرحمة ونخاف عليه العقاب"4.


أنواع المظالم:

يمكن لنا أن نقسّم الظلم الواقع من بعضنا على بعضنا الآخر إلى قسمين رئيسيّين هما:

أ- المظالم المعنويّة:
والتي قد يسمّيها بعضهم نفسيّة، ومن أمثلتها الإهانة والتحقير والاستخفاف وإدخال الحزن والأسى إلى الآخرين من خلال الألفاظ المسيئة والألقاب السيّئة والعبارات النابية والجارحة، وأحياناً يكون ذلك بالمواقف السلبيّة كاللامبالاة وعدم القيام بآداب ولياقات العلاقات الإنسانيّة، التي ندب إليها الإسلام أو أقرّها العرف وقد ذكر القرآن منها التنابز بالألقاب والسخرية وغيرهما وهتك الأستار وكشف الأسرار والتعيير وغير ذلك ولذا جاء في الروايات أنّه "من كسر مؤمناً فعليه جبره"5.

فتصحيح هذا اللون من الظلم يكون بردّ الاعتبار إلى المظلوم والاعتذار إليه وطلب السماح والعفو.

ب - المظالم الماديّة:
وهي المظالم التي ينال بها البعض من مال غيره سواء بالسرقة أو الغصب ومنها حبس الحقّ عنه والاستئثار عليه كما يحصل بين الشركاء في الإرث، وقد يكون بالحيلولة بين المرء وماله، ومن مصاديق التعرّض لمال الآخرين إعابته بكسر أو غير ذلك ممّا يقلّل قيمته أو يفقده فائدته.

ومنها التعرّض لجسد الإنسان الآخر ولو بخدش أو لطم سواء أوجد لوناً أو غيره، فإنّ لذلك أثرين أحدهما نفسيّ ملحق بالأوّل، لأنّ في الضرب إهانة، أضف إلى الأثر الجسديّ الذي قد يكون له دية ولا بد من لَفْتِ النظر إلى أنّ المظالم خصوصاً الماديّة المتعلّقة بالمال تتعلّق بذمّة الإنسان حتّى ولو كان عند ارتكابه لها صغيراً دون سنّ التكليف، فصحيح أنّه غير مكلّف ولا عقاب عليه من هذه الجهة إلّا أنّ ذمّته عندما يبلغ تظلّ مشغولة لكونه ضامناً لما أتلف أو أعاب فلا بدّ له من ذلك.


بادر إلى ردّ المظالم:

على الإنسان الذي يريد أن يكون من زمرة التوّابين الذين يحبّهم الله أن يجدّ ويجتهد في أداء حقوق النّاس، وردّ المظالم، فليعمد كلّ واحد منّا إلى أن يخلو بنفسه ليحاول أن يحصي ما ظلم به غيره، ومن هم الذين ظلمهم من النّاس، فإن عرف المقدار والشخص حاول إيصال الحقّ إليه، وإن عرف الشخص ولم يعرف المقدار عمل على التسامح منه وإرضائه، وإن عرف المقدار ولم يعرف الشخص تصدّق بالمقدار عن نيّة صاحبه، وإن جهل الأمرين حاول التخلّص بما يضمن به براءة ذمّته، ولذا نجد أنّه في ثقافتنا أنّ الوصايا عادة ما تشتمل على بند يحمل عنوان ردّ المظالم، وهذا يحتاج إلى إذن الحاكم الشرعيّ لأنّه من مجهول المالك.


خاتمة:

أحياناً قد يصعب علينا الاتصال بصاحب الحقّ لإعطائه حقّه أو طلب المسامحة منه لوجود محذور يؤدّي إلى أمور خطيرة كإيجاد فتنة ما أو إيجاب قطيعة رحم فيمكن حينها البحث عن وسيلة توصل حقّه إليه دون أن يتعرّف صاحب الحقّ على غاصب حقّه، وقد يكون أحياناً سبب ذلك هو الخشية على المنزلة الاجتماعيّة للغاصب وكون ذلك موجباً للفضيحة والهتك أمام النّاس، فحينها على الإنسان أن يوازن بين الأمرين ليرى أيّ الأمور أهمّ وأخطر.

لكن لنضع نصب أعيننا أنّه مهما كانت فضائح الدّنيا فإنّ فضيحة الآخرة أعظم، فضلاً عن أن نجعل تواضعنا باعترافنا وإقرارنا للمظلوم بظلمنا له واعتذارنا له وذلّ موقفنا أمامه وسيلة نربّي فيها أنفسنا ونريها عبره مآل ظلمها وتجاوزها حتّى لا تعود إلى الظلم أبداً.

* كتاب زاد عاشوراء، إعداد معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- نهج البلاغة، الموعظة رقم 417.
2- سورة البقرة، الآية 222.
3- الكافي، ج8، ص 104.
4- الكافي، ج 2، ص 443.
5- الكافي، ج 2، ص 45.