السبت، 14 نوفمبر 2015

قضاء الحاجات ((رشحات أخلاقية))

قضاء الحاجات
((رشحات أخلاقية))

ليس قضاء الحاجة للمؤمن بالأمور المادية فقط، وإنما الأمور المعنويّة قد تكون أهم من المادية، والعباد كلهم عيال الله، وقضاء حوائجهم وإدخال السرور إلى قلوبهم من موجبات رضا الله سبحانه، ولعلّه من أهم فرص وطرق التقرب إلى الله سبحانه هو السعي في قضاء حوائج المؤمنين، حتى لو لم تستطع قضاءها فإن شعور أخيك المؤمن أنك إلى جانبه وإدخالٌ للسرور إلى قلبه وأنه ليس وحيداً، إنه باب وسيع جداً فتحه الله لنا، له آثاره الأخروية الكبيرة، وانعكاساته في المجتمع، من أراد أن يكثر إخوانه وأحباؤه وأصدقاؤه ويكون له مكانة اجتماعية و... فليسعَ في قضاء حوائج المؤمنين.

لماذا لا نعطي دقائق من يومنا نسعى فيها لنشر السرور؟!

الحسين عليه السلام وحبّ لقاء الله ((زاد عاشوراء))

الحسين عليه السلام وحبّ لقاء الله
((زاد عاشوراء))


جاء في ذكر السجدة بعد زيارة عاشوراء: "اللهمّ ثبّت لي قدم صدق عندك مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام".


حبّ لقاء الله من صفات الموفّقين لنصرة الحسين عليه السلام:

لقد بيّن الإمام الحسين عليه السلام مقام أصحابه ورفعة درجتهم فقال عليه السلام: "فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي"1.

وبهذا الوصف ينفي الإمام الحسين عليه السلام على طول الأزمنة السابقة على الثورة الحسينيّة أو اللاحقة بها، أن يكون لأصحابه نظير أو مثيل، فهيهات أن يجود الزمان بأمثالهم، علماً أنّه يقول ذلك فيهم رغم من تقدّم في الزمن من أصحاب جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وأبيه المرتضى عليه السلام وأخيه الحسن المجتبى عليه السلام، وإذا عدنا إلى كلمات الإمام الحسين عليه السلام نجد أنّه عليه السلام ذكر في صفات المؤهّلين لنصرته عليه السلام، إمّا على نحو الإخبار وهو الأقرب، أو على نحو الاشتراط لتأكيد الصفتين، فقال عليه السلام في بيانه خارجاً من مكّة إلى العراق: "خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة من جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف... (إلى أن يقول:) ... ألا ومن كان باذلاً فينا مهجته، موطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله"2.

وفي هذا إشارة إضافة إلى ما أسلفنا إلى ميزتين تميّز بهما أنصار الحسين عليه السلام حتّى كانوا خير أنصار، وهما:
1- محبّة عظيمة لأهل البيت تتجسّد بذلاً للمهج في حبّهم عليهم السلام.
2- توطين النفس على لقاء الله تعالى.

والكلام سيقتصر على الصفة الثانية، وهي حبّ لقاء الله وتوطين النفس عليه.


معنى لقاء الله:

لا شكّ أنّ الله عزَّ وجلَّ لا يوصف بالقرب ولا بالبعد الزمانيّ ولا المكانيّ، بل هو حاضر حضوراً قيوميّاً، وهو القائم على كلّ نفس.

ولذلك فهو "بَعُد فلا يُرى وقَرُب فشهد النجوى تبارك وتعالى"3 فاللقاء بالله بالنسبة للآخرة حتميّ، وبالموت كذلك، وأمّا اللقاء به تعالى في الحياة الدنيا فإنّه حاصل بشرط سعي الإنسان للقائه تعالى، وعلى الطريق الموصل، وباتّباع الدليل الصادق.

وإلّا كان السائر مع الجهل، سائراً على غير الطريق لا يزيده كثرة السير إلّا بُعداً، فلقاء الله تعالى، هو الاتصاف بصفات والقيام بأعمال، تجعلنا محلّ نظره الشريف ومحبّته، فيكون على أثر ذلك الجذب الإلهيّ لنا عبر قلوبنا، لتصل أرواحنا إلى مقام من مقامات القُرب منه حيث أرقاها ما طلبه أمير المؤمنين عندما قال: "وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك"4.

فلقاء الله حتميّ كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾5، لكنّ اللقاء أين ومتى وكيف وعلى أيّ حال هو المعتبر، فقد يكون إيجابيّاً فيكون في درجات المقرّبين، وقد يكون سلبيّاً 
في دركات المبعدين.


توطين النفس على لقاء الله:

وهي العبارة التي استخدمها الإمام الحسين عليه السلام والتوطين معناه تثبيت حبّ لقاء الله أو على الأقل اليقين بلقائه تعالى، والذي يعني اليقين به وبيوم القيامة، وهذا يعني تثبيت المعرفة بالله تعالى وتطويرها وتنميتها بدءاً بالنظر والتأمّل والتفكّر والتعلّم، وذلك عبر الأدلّة ولو على نحو دليل الإعرابي: البعرة تدلّ على البعير، وأثر السير يدلّ على المسير، أفأرض ذات أفجاج وسماءٌ ذات أبراج أفلا يدلّان على اللطيف الخبير.

فالمهمّ انفعال النّفس بهذا الدليل وتحولّه من العقل إلى القلب ليصبح يقيناً وطمأنينة.

فالمطلوب الانتقال من المعرفة العقليّة إلى المعرفة القلبيّة ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾6 والتدرّج بها لتتحوّل من الحدس إلى الحسّ، وتترقّى لتصبح معايشة شعوريّة حيث يتمّ طيّ المسافات بين العقل والقلب ليصبح ما كان غيباً كالأمر المشاهد المحسوس، بل المعايش بكلّ المشاعر. وإنّما يبقى الاستدلال البرهانيّ حاجة إذا لم يصل إلى اليقين، فمع وصوله درجة اليقين لا طلب لمزيد من الأدلّة، وإذا ترقّى ليصبح حالة من المشاهدة القلبيّة والمعايشة الشعوريّة فينتقل حينها إلى درجة: "لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً"7.

وتُكشف الحجب، بل تكاد تزول، ليصبح الله قبل كلّ شيء ومع كلّ شيء وبعد كلّ شيء.

وليكتشف بعدها حقيقة قول الإمام الحسين عليه السلام: "عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيباً"8.


التوطين للقاء المؤهّل لنصرة الحسين عليه السلام:

لقد قدّم الإمام الحسين عليه السلام لعبارته "موطّناً على لقاء الله نفسه" بأمور يستفاد منها أنّها قوام هذا التوطين وشروطه، وهي:
1- الموت في سوح الجهاد، حدث جميل ينزل بصناع الفعل الجميل، وهو الجهاد كرامة يقلّدهم الله إيّاها "خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة من جيد الفتاة".
2- لقاء الله عبر الشهادة في سوح الجهاد وسيلة للالتحاق بركب الصالحين، هذا اللقاء هو محلّ وَلَهٍ وعشق.
3- الشهادة مع الحسين عليه السلام نصرة له وذوداً عنه وعن أهل بيته "باذلاً فينا مهجته".


خاتمة: لقاء الله بالشهادة بين يديّ الحسين عليه السلام:

صحيح أنّ بيان الحسين عليه السلام لصفتين من صفات الموفقيّة لنصرته، وهما توطين النفس على لقاء الله وبذل المهج فيهم عليه السلام، قد تحملان على صفتين مستقلّتين.

لكن لعلّ مراده عليه السلام هو الدمج بين الصفتين وهي حبّ لقاء الله تعالى مضرّجين بدماء الشهادة في سبيل الله، حبّاً للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولعترته الطاهرة، البالغ درجة سفك الدماء على هذا الحبّ مع اليقين بالقتل والشهادة، وقرّروا الرحيل معه ليلاقوا الله في موكب الحسين شهداء، وقد عبّر عن ذلك أبو الفضل العبّاس نيابة عنه وعن إخوته وبني أخيه عليه السلام عندما طلب الحسين عليه السلام منهم النجاة بأنفسهم فقال عليه السلام: "لِمَ نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبداً"9.

ومن إجابات الأصحاب نذكر إجابة زهير بن القين رضوان الله عليه: "لقد سمعنا يا بن رسول الله مقالتك، ولو كانت الدنيا باقية وكنّا فيها مخلّدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها"10.

فيما جسّد برير رضوان الله عليه الرؤية التي ذكرنا عندما قام قائلاً: "يا بن رسول الله لقد منّ الله بك علينا أن نقاتل بين يديك فتقطّع فيك أعضاؤنا، ثمّ يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة"11.

ونحن نقول كما علّمنا أن ندعو حال السجود في زيارة عاشوراء: "اللهم ثبّت لي قدم صدق عندك مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام".

* كتاب زاد عاشوراء، إعداد معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- الإرشاد، ج 2، ص 91. 
2- لواعج الأشجان، ص 70. 
3- كما في دعاء الافتتاح، مفاتيح الجنان، أعمال شهر رمضان المبارك.
4- المناجاة الشعبانيّة، مفاتيح الجنان، أعمال شهر شعبان.
5- سورة الانشقاق، الآية 6.
6- سورة الحجر، الآية 99.
7- مناقب آل أبي طالب، ج 1، ص 317.
8- دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة.
9- الإرشاد، ج 2، ص 91.
10- أنصار الحسين عليه السلام الثورة والثوّار السيّد محمّد الحلو، ص50 - 51.
11- المصدر نفسه، ص 57- 58.

انتظار الفرج ((زاد عاشوراء))

انتظار الفرج
((زاد عاشوراء))

عن أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل العبادة انتظار الفرج"1.


انتظار الفرج عبادة وجهاد:

من الأمور المؤكّدة وفي روايات كثيرة حثّ على انتظار الفرج، وبالأخصّ الفرج للبشريّة وللإنسانيّة بظهور مخلّصها وباني مجدها ومقيم العدل في أرجاء مسكونتها الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ومن هذه الروايات ما نقله الإمام العسكريّ عليه السلام عن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج"2.

بل إنّ بعض الروايات جعلت هذا الانتظار عبادة، بل أفضل العبادات، وهذا ما نقله أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل العبادة انتظار الفرج" كما تقدّم.

وهو جهاد، بل أفضل أنواع الجهاد كما جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل جهاد أمّتي انتظار الفرج"3.

ولا يخفى بعد المرور على المعنى اللغوي لانتظار الفرج والذي يفضي إلى أنّ الانتظار هو حالة نفسانيّة ينبعث منها التهيّؤ لما تنتظره، وضدّه اليأس، فكلّما كان الانتظار أشدّ كان التهيّؤ آكد...4.

مع ما ورد بأنّ الانتظار عبادة بل أفضل العبادة، وجهاد بل أفضل الجهاد حيث عدّته من العبادة والجهاد، كلّ ذلك لا يبقي مجالاً ليشكّ أحد بأنّ الانتظار المطلوب هو الانتظار المقرون بالعبادة والعمل والمعرفة والجهاد أي الانتظار الإيجابيّ ولا معنى لصرف الجهد في بيان أنّه هو المطلوب.


بركات الانتظار وآثاره:

إنّ البشارة بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف واليقين بتحقّق الوعد الإلهيّ له آثاره الإيجابيّة في الفرد والمجتمع على صعيد التفكير والإيمان والسلوك والعمل، فحالة الانتظار لهذا الوعد والتماهي معها تشكّل حالة فعّالة في شتّى أبعاد النّفس البشريّة ومنها:

1- النظرة التفاؤليّة للحياة ولمآل المسيرة البشريّة: 
وهذا ما يدفع النظرة السوداويّة التشاؤميّة التي تورث الكآبة وتزيل المجهوليّة التي بنفسها تجعل الإنسان ثقيل الخطى في سيره الدنيويّ في العمل والعلاقات وهذا ما يحفّز الإيجابيّة في العلاقات والعمل.

2- زرع الأمل في النّفوس المنتظرة:
إذ يشكّل الإيمان به عجل الله تعالى فرجه الشريف وانتظاره حالة من الطمأنينة في خضمّ المشاكل والصعوبات والبلاءات أنّه ثمّة حلول قادمة لا محالة، فلا سقوط أمامها، بل تتولّد من ذلك شحنات معنويّة تصلّب الإرادة وتقوّي العزيمة وتولّد الثقة أمام كلّ التحدّيات وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الأمل رحمة لأمّتي ولولا الأمل ما رضَّعت والدة ولدها ولا غرس غارس شجراً"5.

وهذا الأمل أمل حقيقيّ واقعيّ وليس خياليّاً يغذِّيه الوعد الإلهيّ: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾6.

وما جاء على لسان الصدق الأعظم النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تقوم الساعة حتّى يقوم قائم الحقّ منّا، وذلك حين يأذن الله عزَّ وجلَّ له، ومن تبعه نجا، ومن تخلّف عنه هلك... الله الله عباد الله، فأتوه ولو على الثلج، فإنّه خليفة الله عزَّ وجلَّ وخليفتي"7.

فهذا الأمل يولّد طاقة على الحركة وقوّة دافعة للسعي والتحرّك بدون كلل ولا تعب، وهذه القوّة المتولّدة من هذا الأمل تكاد تلغي بل هي تمحو العناء والتعب لتملأ كيان المنتظر بالسعادة تحدوها اللهفة للظهور المبارك المحتوم ولقاء القائد الإلهيّ ليستتم وعد الله لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾8.

3- اليقين بالنصر النهائيّ:
فبالوعد الإلهيّ يحصل اليقين بنصر الله لوليّه الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف والهزيمة الحتميّة للكافرين والظالمين، فلا شكّ ولا ريب بهذه النتائج إضافة إلى إقامة دولة العدل الإلهيّ على شتّى أرجاء المعمورة، هذا النصر لن يكون نصراً مرحليّاً وإنّما هو نصر نهائيّ ستبقى مفاعيله، وعندما ننتظر مثل هذا النصر مع اليقين بأنّه قادم فإنّ ذلك يجعلنا ندرك أنّ أعمالنا الصالحة وخطانا السليمة في طريق هذا المشروع الإلهيّ لن تذهب سدى، بل ستنضمّ إليها جهود الأجيال وتتراكم لتثمر في غد الظهور المبارك الآتي حتماً.

4- الثبات والصمود:
قد يعيش المؤمنون أوضاعاً مؤلمة ومريرة ويمرّون بظروف قاسية من جرّاء مواجهة الكفر والانحراف وهذا ما وعدنا به رسول الله في قوله لابن مسعود: "يا بن مسعود، يأتي على النّاس زمان الصابر على دينه مثل القابض على الجمرة بكفّه"9.

فإن كان المؤمن معتقداً أن لا أفق أمامه للحلّ، وأنّه وحيد في هذه المعتركات فستضعف قدرته وقد يسقط في الاختبار والامتحان، وأمّا مع وجود الأمل بالخلاص فإنّ الصمود يقوى ويشتدّ فلا استسلام أمام الصعوبات والضغوط.

وهذا ما يجعل المؤمن ثابتاً على إيمانه ومعتقده فلا تزول نفسه ولا تزلّ قدمه.

5- توثيق الارتباط بالغيب:
وقد قال تعالى إنّه من صفات المتّقين المؤمنين أنّهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب﴾ وجاءت الروايات ربّما من باب التطبيق لتشير أنّ الغيب هو الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف وإذا حاولنا أن نكون منصفين فإنّ الإيمان بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف أحد أهمّ الاختبارات والامتحانات للإيمان بالغيب، فالانتظار هو إحدى الممارسات العمليّة لهذا الإيمان، وهو يعمّق الرابطة بالغيب، فهو يدعونا - لنحسن انتظاره - أن نتعرّف عليه وعلى حقيقة قضيّته بل حقّانيّتها والبحث عن الدور والوظيفة التي أنيطت بنا اتجاهه، وكيف نبني العلاقة معه؟، وماذا علينا أن نفعل لنكون قريبين منه مقبولين عنده؟ إضافة إلى أمر رئيسيّ وهو مع تحصيل اليقين بالوعد الإلهيّ والانتظار نخرج من حالة تربيب الأسباب الماديّة، والواقع ومعادلات السياسة والاقتصاد والأمن مهما تجبّر المتجبّرون واستكبر المستكبرون.

وهذا ما يورث التوازن بين الأبعاد الغيبيّة والمعادلات الماديّة وهذا يورث التحرّر والقوّة أمام هذه المعادلات بالاستقواء بالغيب ووعوده المحتومة.


خاتمة:

نحن في زمن أصبح النّاس فيه عبيداً يرببون القوّة، قوّة المال والسلطة، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، ونحن والبشريّة نحتاج دائماً إلى ما يعيدنا إلى رشدنا ويحرّرنا من هذه العبوديّة ونحن المؤمنين خصوصاً نحتاج إلى دوام تعزيز الرابطة بالغيب والثقة بالله تعالى وأوليائه.

والإيمان بوجود الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف مع غيبته، يولّد بل يعزّز الثقة بالعناية والرعاية الغيبيّة والإلهيّة بألطافه تعالى بنا وخصوصاً عبر شمسه التي يجلّلها سحاب الغيبة إلى زمن انقشاعها عن وجهه النورانيّ.

* كتاب زاد عاشوراء، إعداد معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- كمال الدّين وتمام النعمة، ص 287.
2- كمال الدّين وتمام النعمة، ص 644.
3- بحار الأنوار، ج 74، ص 141.
4- مكيال المكارم، ج2، ص136.
5- بحار الأنوار، ج 74، ص 173.
6- سورة القصص، الآية 5.
7- دلائل الإمامة، ص 452.
8- سورة الصفّ، الآية 9.
9- بحار الأنوار، ج 74، ص 98.

الخميس، 5 نوفمبر 2015

وجوه جميلة للبلاء ((زاد عاشوراء)) قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾1.

وجوه جميلة للبلاء
((زاد عاشوراء))
قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ1.

الاختبار والبلاء سنّة إلهيّة:
لقد وردت عبارة ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وما في معناها كثيراً في القرآن الكريم جاءت لتؤكّد بهذا التكرار أنّ الاختبار والامتحان هو قانون وسنّة إلهيّة شاملة لكلّ النّاس طالما أنّهم في دار التكليف دار الدّنيا فالإنسان جُعل في دار الدّنيا لا لأجل الدّنيا فإنّ الدّنيا حياة ونشأة من نشآت الوجود الإنسانيّ يعبرها الإنسان في مدّة محدودة وقصيرة ليصير بعدها إلى دار مستقرّه ودار خلوده والدّار التي هي آخر منازله والمملوءة حياة: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ2.


ومن طبيعة الدّنيا أنّها حفّت بالشهوات والمكاره، وأنّ كونها كذلك لتلائم الحكمة من خلق الإنسان.

فهذا النظام الذي اسمه الدّنيا والذي نسمّيه الكون يتّجه إلى نهايته وفنائه، فهو منذ وجوده كان ليكون مؤقّتاً وإلى أجل مسمّى عند الخالق تعالى، وبعده سيكون عالم آخر له نظامه المختلف، فهذا العالم غير قابل للبقاء والخلود فأولى أن لا يخلد ولا يبقى فيه عمّاره وسكّانه والمستخلفون فيه، أمّا العالم الآخر فمعاييره ونظامه تُلائم كونه دار خلود وبقاء، وعلاقته بهذه الدّنيا علاقة النتيجة بالسبب، فهنا العمل وهناك الأثر، أي الجزاء الحقيقيّ، فالله قد ربط بين العالمين والنشأتين، من جملتها أنّه أقام علائق بين العمل في الدّنيا والجزاء في الآخرة.

وعندما نتحدّث عن كون الدّنيا دار عمل وليست دار جزاء حقيقيّ فنعني بذلك أنّ الدّنيا دار ليحصل الإنسان على أكمل وأفضل نتائج وجوده، فيها يحتاج إلى عمل وجهاد وصبر وتضحيات ومعاناة وتحمّل ليكون من الرابحين والفائزين والمفلحين، ولعلّ الله أشار إلى هذا بقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ
3.

فلسفة البلاء أو الاختبار الإلهيّ:
قد يتبادر إلى ذهن البعض نتيجة أنسه بالأعمال البشريّة والصفات المحدودة للبشر أنّ من يختبر يهدف إلى رفع جهله والإبهام. إلّا أنّ ذلك ليس هو المراد عندما ينسب الابتلاء إلى الله تعالى، لأنّه تعالى لا يعتريه جهل ولا يلفّ شيئاً دونه الغموض والإبهام، فالأشياء والأفعال حاضرة عنده معلومة كما أنّها موجودة بل حتّى قبل وجودها، وبالتالي فمعنى الابتلاء الإلهيّ للبشر هو تكليفهم بأمور الغرض منها إخراج ما في نفوسهم من استعدادات وقابليّات حسنة إلى مقام الفعل أي لتصبح أفعالاً خارجيّة لهم وصفات فعّالة في نفوسهم.

ولنقرّب المفهوم نقول: إنّ المزارع عندما ينثر البذور الصالحة في الأرض القابلة للإنبات والصالحة إنّما يلقيها لكي تستفيد هذه البذور ممَّا تكتنزه الأرض من موادّ تصلح لحياة هذه البذرة وصيرورتها نبتة تستفيد من هذا المخزون لتنمو وتزهر وتثمر، لكن ذلك لا يحصل ما لم تصارع هذه البذرة كلّ المعوّقات لنموّها ونباتها وتتجاوز الصعاب وتقاوم الحوادث التي تشكّل تحدّيات لوجودها ولنموّها كالرّياح والبرد والحرارة المرتفعة.

فالبلاء هو وسيلة لتفجير طاقات البشر وتطوير قابليّاتهم ليترقوا في الدّنيا ويتطوّروا، وكذلك ليبنوا أنفسهم بما يجعلهم من أهل الخلود في دار النعيم المقيم. يقول عن ذلك أمير المؤمنين عليه السلام: "... وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم ولكن لتظهر الأفعال التي بها تستحقّ الثواب والعقاب"4.

آثار وبركات البلاء:


قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ5 فهذه الآية تقول: إنّ البلاء والابتلاء والاختبار كما يكون بما تكره النفوس وما يؤلمها وهو المفهوم عند النّاس كذلك يكون بالمحبوب لها والمرغوب عندها من نعم ومناصب. ولكنّ الله تعالى يقول: إنّ ذلك "فتنة" أي تمييزٌ للنّفوس، إذ إنّ بعض النّفوس يزلزلها النعيم ويخرجها عن الصراط المستقيم، أو يربّي فيها الشكر ومعرفة النّعمة والمنعم وأخرى بالعكس، وقد ذكرت الروايات آثاراً وبركات للبلاء والابتلاء جمعتها الرواية التالية عن الإمام عليّ عليه السلام:"إنّ البلاء للظالم أدب وللمؤمن امتحان وللأنبياء درجة"6.

ومن الآثار والبركات تفصيلاً:
1- في البلاء ألطاف خفيّة:
عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ بلاياه محشوّة بكراماته الأبديّة ومحنه مورثة رضاه وقربه ولو بعد حين"7.
2- تربية وعناية إلهيّة لأجل التكامل:عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله يغذّي عبده المؤمن بالبلاء كما تغذّي الوالدة ولدها بالّلبن"8.
3- للتذكير به تعالى ولقمع التوثّب للكبر:عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لولا ثلاثة في ابن آدم ما طأطأ رأسه شيء: المرض والموت والفقر، وكلّهن فيه وإنّه لمعهن لوثّاب"9.
4- تمحيص الذنوب:عن الإمام عليّ عليه السلام: "الحمد لله الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدّنيا بمحنتهم لتسلم بها طاعتهم ويستحقّوا عليها ثوابها"10.
5 - لعدم الركون إلى الدّنيا والرغبة في لقاء الله تعالى:عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "يقول الله عزَّ وجلَّ: يا دنيا تمرّري على عبدي المؤمن بأنواع البلاء، وضيّقي عليه في معيشته ولا تحلولي فيركن إليك"11.
6- موجب لمحبّة الله وعلامة عليها:عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله تبارك وتعالى إذا أحبّ عبداً غتّه بالبلاء غتّاً وثجّه بالبلاء ثجّاً فإذا دعاه قال: لبّيك عبدي، لئن عجّلت لك ما سألت إنّي على ذلك لقادر ولكن ادّخرت لك فما ادّخرت لك خير لك"12.

كيف ننجح في اختبار البلاء والمحن:
يحتاج الإنسان في مواجهة محن الحياة وبلاءاتها المتعاقبة إلى جملة أمور نختصرها بالتالي:

1- عدم الغفلة عن حقيقة الدّنيا وكونها دار بلاء وعمل وليست دار نعيم، فلا يتوقّعنّ منها غير ما وجدت لأجله.
2- الطمأنينة والثبات وعدم الجزع: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ13.وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "نزلت أنفسهم منهم في البلاء كما نزلت في الرخاء"14.

3- الصبر والتحمّل وصولاً إلى التسليم بل إلى حبّ تدبير الله. عن الإمام الكاظم عليه السلام: "لن تكونوا مؤمنين حتّى تعدوا البلاء نعمة والرخاء مصيبة وذلك أنّ الصبر عند البلاء أعظم من الغفلة عند الرخاء"15.

4- حسن الظنّ بالله تعالى: عن صادق أهل البيت عليهم السلام فيما أوصى الله لموسى عليه السلام:"... وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي فليصبر على بلائي وليشكر نعمائي وليرض بقضائي أكتبه في الصدّيقين عندي"16.

5- اغتنام الوقت والعمر: قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ17.

خاتمة: قدوة الصامدين:

يروى أنّه لمّا حمل عليّ بن الحسين عليه السلام إلى يزيد بن معاوية فأوقف بين يديه قال يزيد لعنه الله:﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، فقال عليّ بن الحسين عليه السلام: "ليست هذه الآية فينا، إنّ فينا قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا"18.

انظر كيف يحاول الطاغية أن يستغلّ الفرصة لإسقاط الروح المعنويّة للإمام السجّاد عليه السلام، وكيف يعطينا الإمام درساً في الثبات وعدم السقوط أمام محاولات الأعداء أن يستغلّوا ما يصيبنا من مصائب ليهزمونا نفسيّاً ويسقطونا معنويّاً. والثبات المعنويّ والنفسيّ نوع من أنواع الانتصار كما الانتصار المادّيّ.
* كتاب زاد عاشوراء، إعداد معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- سورة الملك، الآية 2.
2- سورة العنكبوت، الآية 64.
3- سورة العنكبوت، الآية 2.
4- نهج البلاغة (الكلمات القصار)، رقم 93.
5- سورة الأنبياء، الآية 35.
6- مستدرك الوسائل، ج 2، ص 438.
7- بحار الأنوار، ج 75، ص 200.
8- بحار الأنوار، ج 78، ص 195.
9- الدعوات للراونديّ، ص 171.
10- بحار الأنوار، ج 64، ص 232.
11- بحار الأنوار، ج 69، ص 52.
12- الكافي، ج 2، ص 253.
13- سورة البقرة، الآيتان 156 و157.
14- نهج البلاغة، خطبة المتّقين.
15- بحار الأنوار، ج 64، ص 237.
16- الكافي، ج 2، ص 62.
17- سورة مريم، الآية 39.
18- سورة الحديد، الآية 22.

ردّ المظالم ((زاد عاشوراء))

ردّ المظالم
((زاد عاشوراء))

روي أنّ قائلاً قال بحضرة أمير المؤمنين عليه السلام: استغفر الله فقال له عليه السلام: "ثكلتك أمّك! أتدري ما الاستغفار؟ إنّ الاستغفار درجة العلّيّين وهو اسم واقع على ستّة معان: أوّلها الندم على ما مضى، الثاني العزم على ترك العود إليه أبد، والثالث أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى الله سبحانه ليس عليك تبعة، الرابع أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها فتؤدّي حقّه، والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتّى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد، والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول: استغفر الله!"1.


ردّ المظالم شرط في قبول التوبة:

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ...﴾2.

لقد استخدم الله في هذه الآية صيغة المبالغة من اسم الفاعل تائب وهي توّاب وجعلها على صيغة جمع المذكّر السالم. فالتوّاب معناه هو المبالغ في توبته الذي قد يكون كثير التوبة بمعنى كثير الرجوع إلى ربّه عند الذنب طلباً للمغفرة والعفو والستر. وقد يكون هو المبالغ بمعنى الشديد التحرّي لأعماله والشديد الطلب لوجوه التوبة منها، فيتوب من صغيرها وكبيرها، ويكون في توبته متحرّياً أن تكون تامّة وكاملة بمعنى واحدة لجميع شرائط الصحّة والقبول بل حتّى الكمال، وذلك لتكون تامّة الأثر من حيث محوها للذنوب وإيجابها العفو والمغفرة بل إيجابها أكمل ثمارها وهي التحوّل من مبغوضيّة المذنب على الله إلى درجة المحبوبيّة منه تعالى.

ولن يكون ذلك إلّا بفعل ما يمحوها من صحيفة الأعمال، ويزيلها من نفسه ومن نفوس النّاس.

ولذا كان إضافة إلى ركنيها وهما: النّدم على الذنوب والعزم على تركها وعدم العود إليها أبد، شرائط كمال وشرائط قبول ومن شرائط القبول منضمّاً إلى أداء حقّ الخالق أداء حقوق المخلوقين.

فقد يكون الذّنب المُرتَكَب هو مظلمة أوقعها الإنسان على أخيه الإنسان، فعليه الخروج من هذه المظلمة بأداء حقّ المخلوق إليه.


لماذا علينا ردّ المظالم؟

والجواب إضافة إلى كونه شرطاً في قبول التوبة هو أنّ ظلم الإنسان لأخيه الإنسان من الذنوب التي لا يغفرها الله، بل هي موكولة إلى صاحبها فإمّا أن يسامح فتغفر أو أن لا يسامح فتبقى ويكون الاقتصاص يوم القيامة يوم ينادي الله تعالى الخلق: "أنا الله لا إله إلّا أنا الحكم العدل الذي لا يجور، اليوم أحكم بينكم بعدلي وقسطي، لا يظلم اليوم عندي أحد، اليوم آخذ للضعيف من القوي بحقّه ولصاحب المظلمة بالقصاص من الحسنات والسيّئات وأثيب على الهبات ولا يجوز هذه العقبة عندي ظالم ولا أحد عنده مظلمة إلّا مظلمة يهبها صاحبها وأثيبه عليها، وآخذ له بها عند الحساب فتلازموا أيّها الخلائق واطلبوا مظالمكم عند من ظلمكم بها في الدّنيا وأنا شاهد لكم بها عليهم وكفى بي شهيداً..."3.

فإذاً علينا أن نتخلّص من هذه المظالم قبل ذلك الموقف خصوصاً أنّها من الذنوب التي أوكل أمرها إلى أصحابها روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنّه عندما سئل أن يبيّن الذنوب المغفورة من غيرها قال: "أمّا الذنب المغفور فعبد عاقبه الله تعالى على ذنبه في الدّنيا، فالله أحكم وأكرم من أن يعاقب عبده مرّتين، وأمّا الذي لا يغفر فمظالم العباد بعضهم لبعض، إنّ الله تبارك وتعالى إذا برز لخلقه أقسم قسماً على نفسه فقال: وعزّتي وجلالي لا يجوز في ظلم ظالم، ولو كفّ بكفّ ولو مسحة بكفّ... فيقتصّ الله للعباد بعضهم من بعض حتّى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة، ثمّ يبعثهم إلى الحساب... وأمّا الذنب الثالث، فذنب ستره الله على عبده ورزقه التوبة، فأصبح خاشعاً من ذنبه راجياً لربّه، فنحن له كما هو لنفسه نرجو له الرحمة ونخاف عليه العقاب"4.


أنواع المظالم:

يمكن لنا أن نقسّم الظلم الواقع من بعضنا على بعضنا الآخر إلى قسمين رئيسيّين هما:

أ- المظالم المعنويّة:
والتي قد يسمّيها بعضهم نفسيّة، ومن أمثلتها الإهانة والتحقير والاستخفاف وإدخال الحزن والأسى إلى الآخرين من خلال الألفاظ المسيئة والألقاب السيّئة والعبارات النابية والجارحة، وأحياناً يكون ذلك بالمواقف السلبيّة كاللامبالاة وعدم القيام بآداب ولياقات العلاقات الإنسانيّة، التي ندب إليها الإسلام أو أقرّها العرف وقد ذكر القرآن منها التنابز بالألقاب والسخرية وغيرهما وهتك الأستار وكشف الأسرار والتعيير وغير ذلك ولذا جاء في الروايات أنّه "من كسر مؤمناً فعليه جبره"5.

فتصحيح هذا اللون من الظلم يكون بردّ الاعتبار إلى المظلوم والاعتذار إليه وطلب السماح والعفو.

ب - المظالم الماديّة:
وهي المظالم التي ينال بها البعض من مال غيره سواء بالسرقة أو الغصب ومنها حبس الحقّ عنه والاستئثار عليه كما يحصل بين الشركاء في الإرث، وقد يكون بالحيلولة بين المرء وماله، ومن مصاديق التعرّض لمال الآخرين إعابته بكسر أو غير ذلك ممّا يقلّل قيمته أو يفقده فائدته.

ومنها التعرّض لجسد الإنسان الآخر ولو بخدش أو لطم سواء أوجد لوناً أو غيره، فإنّ لذلك أثرين أحدهما نفسيّ ملحق بالأوّل، لأنّ في الضرب إهانة، أضف إلى الأثر الجسديّ الذي قد يكون له دية ولا بد من لَفْتِ النظر إلى أنّ المظالم خصوصاً الماديّة المتعلّقة بالمال تتعلّق بذمّة الإنسان حتّى ولو كان عند ارتكابه لها صغيراً دون سنّ التكليف، فصحيح أنّه غير مكلّف ولا عقاب عليه من هذه الجهة إلّا أنّ ذمّته عندما يبلغ تظلّ مشغولة لكونه ضامناً لما أتلف أو أعاب فلا بدّ له من ذلك.


بادر إلى ردّ المظالم:

على الإنسان الذي يريد أن يكون من زمرة التوّابين الذين يحبّهم الله أن يجدّ ويجتهد في أداء حقوق النّاس، وردّ المظالم، فليعمد كلّ واحد منّا إلى أن يخلو بنفسه ليحاول أن يحصي ما ظلم به غيره، ومن هم الذين ظلمهم من النّاس، فإن عرف المقدار والشخص حاول إيصال الحقّ إليه، وإن عرف الشخص ولم يعرف المقدار عمل على التسامح منه وإرضائه، وإن عرف المقدار ولم يعرف الشخص تصدّق بالمقدار عن نيّة صاحبه، وإن جهل الأمرين حاول التخلّص بما يضمن به براءة ذمّته، ولذا نجد أنّه في ثقافتنا أنّ الوصايا عادة ما تشتمل على بند يحمل عنوان ردّ المظالم، وهذا يحتاج إلى إذن الحاكم الشرعيّ لأنّه من مجهول المالك.


خاتمة:

أحياناً قد يصعب علينا الاتصال بصاحب الحقّ لإعطائه حقّه أو طلب المسامحة منه لوجود محذور يؤدّي إلى أمور خطيرة كإيجاد فتنة ما أو إيجاب قطيعة رحم فيمكن حينها البحث عن وسيلة توصل حقّه إليه دون أن يتعرّف صاحب الحقّ على غاصب حقّه، وقد يكون أحياناً سبب ذلك هو الخشية على المنزلة الاجتماعيّة للغاصب وكون ذلك موجباً للفضيحة والهتك أمام النّاس، فحينها على الإنسان أن يوازن بين الأمرين ليرى أيّ الأمور أهمّ وأخطر.

لكن لنضع نصب أعيننا أنّه مهما كانت فضائح الدّنيا فإنّ فضيحة الآخرة أعظم، فضلاً عن أن نجعل تواضعنا باعترافنا وإقرارنا للمظلوم بظلمنا له واعتذارنا له وذلّ موقفنا أمامه وسيلة نربّي فيها أنفسنا ونريها عبره مآل ظلمها وتجاوزها حتّى لا تعود إلى الظلم أبداً.

* كتاب زاد عاشوراء، إعداد معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- نهج البلاغة، الموعظة رقم 417.
2- سورة البقرة، الآية 222.
3- الكافي، ج8، ص 104.
4- الكافي، ج 2، ص 443.
5- الكافي، ج 2، ص 45.

السبت، 4 يوليو 2015

آثار الجهاد في سبيل الله

آثار الجهاد في سبيل الله


آثار الجهاد:

الجهاد في سبيل الله له آثارٌ بالغةُ الأهمية على النفس والمجتمع تحتّم علينا الوقوف عندها والتفكّر فيها.

إنّ الحق تبارك وتعالى لم يشرّع شيئاً إلا لمصلحة البشر وسعادتهم، فكيف إذا كان هذا التكليف هو الجهاد والتضحية في سبيله بأغلى ما يملكه هذا الإنسان وهي حياته ووجوده في هذا العالم؟! وهو الذي أمر عباده صراحة: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلَا يحُرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ﴾1. وطلب من أولئك الذين يريدون الحياة الآخرة أن يسعوا في شرائها: ﴿فَلْيُقَاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشرْونَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا بالآخرة﴾2. هي إذاً مسألة بيعٍ وشراءٍ في أسمى تجارةٍ مع الله تعالى، فما عساها أن تكون الفوائد والآثار المترتّبة على هذه التجارة؟! يمكن تقسيم هذه الآثار والنتائج الناتجة عن الجهاد إلى آثار ونتائج دنيوية وأخروية:

وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: "بقية السيف أبقى عدداً وأكثر ولداً"3، وفيه إشارة واضحة إلى أنّ بقية السيف، وهم الذين يبقون بعد الذين قتلوا في حفظ شرفهم والدفاع عن الدين والمقدّسات وفضَّلوا الموت على الذلّ، فيكون الباقون شرفاء وعددهم أبقى، وولدهم أكثر، بخلاف الأذلاء، فإن مصيرهم إلى المحو والفناء. وأبرز مثال على ذلك علي بن الحسين عليه السلام بقيّة السّيف من أبناء الحسين عليه السلام، والذي به حفظ نسل أبي الشهداء عليه السلام. فلم يتمكّن لا السّيف ولا القتل أن يقضي على هذه السّلالة الطّاهرة، ومن يسير على نهجها، بل كلّما استشهدت في هذه القافلة كوكبة من الشهداء كانت بقيّة السيف تجد طريقها سريعاً نحو النموّ والتّكاثر، وهذه سنة مستمرّة لا تختصّ بزمان دون آخر، ونعيشها اليوم في لبنان بشكل واضح في جهادنا ضدّ العدوّ الإسرائيليّ، حين النمو وازدياد القوة دائمين وفي تطوّر وتصاعد مستمرّ بتوفيق الله وفضله.


الآثار الدنيويَّة للجهاد:

1- العزّة والرفعة:

ترتبط حياة المجتمع بحياة أفراده. فالمجتمع الذي يتواجد فيه أشخاصٌ مجاهدون بفعاليةٍ، يبقى في حالةٍ دائمةٍ من النشاطِ والتقدُّم السَّريع، ويحافظ على دوامه واستمراريّته، ولكنّ المجتمع الذي يحوي أفراداً ضعافاً وخاملين وبلا تأثير، هو مجتمعٌ ميّتٌ وفاشل.

ومن هنا، يُعدُّ حفظ المجتمع عزيزاً ومنيعاً من أفضل آثار الجهاد بنظر الإسلام العزيز، حيث يكونُ الجميع فيه مستعدين للدفاع عن الدين الإلهي وعن المظلومين وعن مشروع العدالة، وإلحاق الهزيمة بالعدوّ في الفرصة المناسبة؛ لإبطال كيده وإضعافه أو القضاء عليه.

إن فضل الجهاد كبيرٌ من هذه الجهة، وطالما يحافظ المجتمع على روحيته هذه فلن يبتلى بالذل أبداً، ويبقى دائراً بين إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، وقد بيّن القرآن الكريم المنشأ لصيانة المجتمعات الإيمانية في أمره لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالجهاد، قال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً﴾4.

إنّ تاريخ صدر الإسلام هو خير شاهد على هذا المدّعى. فإلى الزَّمن الذي تمسّك فيه المسلمون بالجهاد، وحافظوا على كون زمام المبادرة بالهجوم في أيديهم ضمن الشرائط العامَّة، كانوا يعيشون مكلّلين بالنصر والعزّة. وإن تاريخنا المعاصر الذي تخطّه المقاومة الإسلامية في لبنان لهو شاهد قويّ على هذه العزّة والرفعة أيضاً. فبعد سنوات طويلة ومديدة من الاستضعاف انقلبت المعادلة وصارت قوّة هذه الثلّة المستضعفة في الأرض بحجم أمّة كبيرة مترامية الأطراف، بفضل الجهاد والتضحية والإيثار في سبيل الدين ونصرة المستضعفين.

كما أنَّ العزّة والرفعة اللذين يحدثان من أثر الجهاد يمتدُّ أثرهما أحياناً إلى الأجيال اللاحقة، ولا يقتصران على الجيل الحاضر. وعلى هذا الصعيد، يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "أُغزوا تُورِّثوا أبناءكم مجداً"5.

2- تقوية روح المبادرة والعزيمة:

إنَّ حصول الحرب وما ينتج عنها من مشكلاتٍ يدفع الناسَ إلى التحرّك، فتصير سبباً لاهتمام الجميع بالسُّبل الآيلة إلى صدِّ العدوّ.

إن الحرب تمنعُ أكثر أفراد المجتمع من الخوض في الأمور الجزئية وغير المفيدة، تبدّل روحيّة حبِّ الاسترخاء والرفاه إلى روحيّة السعي والجدّ وارتفاع المعنويات القتالية. ومن المعلوم أنَّ الجهود والقدرات العسكرية تعدُّ أيضاً من أفضل الآثار التي تنشأ على أثر تحرّك قوى العدوّ.

وفي سياق بيانه أنّ الحرب تخرج الناس من حالة الخمود وتجبرهم على التحرّك، يقول الإمام الخميني قدس سره: "تعدّ الحرب أمراً جيداً من بعض النواحي، وذلك أنّها تُبرِز الشجاعة الموجودة في داخل الإنسان، وتؤدّي إلى تحريكه وإخراجه من حالة الخمود... فإنّ قوى الإنسان تتّجه دائماً نحو الخمود، وأولئك الذين يعتادون على الرخاء والرفاهية خصوصاً، سيكون حالهم أسوأ، ولكن عندما تقع حرب ما وتتجلّى خلالها الملاحم، ولا يبقى إلاّ صوت المدافع، فكلُّ ذلك يُخرج الإنسان من حالة الخمود والضعف، فتظهر حقيقة الإنسان وتبرز فعاليته وطاقاته إلى العلن"6.

3- تقوية روح الاكتفاء الذاتي:

إنّ الحربَ تؤدِّي إلى إيجاد صعوبات جمّة، وإلى وقوع المجاهدين تحت وطأة الحصار. وهذه الضغوط نفسُها تدفع بالشعب إلى قطع يد الاعتماد على الأجانب، والاعتماد على النفس في المقابل.

فعامل الاعتماد على النفس والسعي لأجل رفع الاحتياجات عن طريقه، يؤدّي إلى نموّ الأدمغة ونضجها، ولهذا السبب قال إمام الأمة قدس سره: "لقد كانت هذه الحرب وهذا الحصار الاقتصادي وإخراج الخبراء الأجانب هدية إلهية كنّا غافلين عنها. واليوم، مع توجّه الحكومة والجيش لحظر بضائع ناهبي العالم، وللسير في طريق الابتكار بكلّ جدٍّ ونشاط، فإنّ الأمل معقود على حصول البلد على الاكتفاء الذاتي، والنجاة من الفقر والتبعية للأعداء. ولقد رأينا بأمّ العين كيف أنّ كثيراً من المصانع والوسائل المتطوّرة - كالطائرات وغيرها من الوسائل – والتي لم يكن يُتصوّر أن يتمكّن المتخصّصون الإيرانيون من تشغيلها، في وقت كان الجميع قد مدّوا أيديهم إلى الغرب أو الشرق من أجل أن يدير متخصّصوهم هذه المصانع والوسائل. ورأينا كيف أنّه وعلى أثر الحصار الاقتصادي والحرب المفروضة، قام شبابنا أنفسُهم بصنع قطع الغيار الضرورية وبقيمة أقلّ من المعروض، وسدّوا باب الحاجة، وأثبتوا أنّنا إن عزمنا فنحن قادرون على القيام بكل شيء"7.

4- فصل الحق عن الباطل:

من الآثار الأخرى المهمّة للجهاد، هو فصل خط النفاق عن المجتمع الإسلامي ومعرفة الصديق من العدو. ففي كلِّ مجتمع يعيش المؤمنون الخُلّص جنباً إلى جنب مع ضعاف الإيمان والمنافقين من الناس، ومن الصَّعب جداً في زمن السِّلم والصُّلح تمييز هذه الفئات، إذ كثيراً ما يُظهر المنافقون وضعاف الإيمان أنفسهم بصورة المدافعين عن الحقّ أكثر من المؤمنين الحقيقيين. ولكن في الشدائد، وخاصّة في أوقات الحرب والجهاد، تُعرف معادن الرجال وتمتاز صفوف الحقّ عن الباطل، فيبقى المؤمنون الحقيقيون، الصابرون والأوفياء في الساحة حتى النهاية، في الوقت الذي يُخلي الآخرون الميدان ويفرّون.

ولقد أشار القرآن المجيد إلى هذه الحقيقة بشكلٍ متكرِّرٍ، وبيَّن أنّ اللهَ أراد أن يمتاز الخُلّص عن غير الخُلّص في ساحة الحرب ضمن قاعدة الأسباب والمسبّبات ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾8.

وفي آية أخرى، ولأجل توبيخ المنافقين، يخاطب تعالى نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، قائلاً: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾9، ومعنى الآية، أنه قد عفا الله عنك "وهو دعاء له بالعفو" لم أذنت لهم في التخلّف والقعود؟ ولو شئت لم تأذن لهم وكانوا أحقّ به، حتى يتبيّن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين، فيتميّز عندك كذبهم ونفاقهم "لو خرجوا معك إلى الحرب"، والآية في مقام دعوى ظهور كذبهم ونفاقهم وأنهم مفتضحون بأدنى امتحان10.

5- الوحدة والتماسك:

إنّ الشَّعب الذي يكون مُبتَلىً في أيام الصُّلح والهدوء بالمشاكل الداخلية، ومشغولاً بالاختلافات الجزئية، يتوحّد على أثر اشتعال الحرب وظهور العدو، ويحوّل كل طاقاته نحو المواجهة. فإنّ الحرب تقود جميع الطاقات والقوى في اتجاه واحد، وتجعلها تنضوي تحت راية واحدة، وتوجِدُ روح التعاون فيما بينها، وتصير سبباً في بروز الإيثار والتسامح وعشرات الصفات الأخلاقية السامية، والله تعالى أشار إلى هذه الحقيقة بوضوح في كتابه المكرَّمِ عندما قال: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾11.

6- النصر:

يُعدّ الانتصار على العدو، في بعض الموارد، أحد أفضل آثار الجهاد، لأنّه مع عدم بذل الجهد في ساحة الحرب لا يتحقّق الانتصار، والشعب الذي قد جلس منتظراً النصر دون تحمّل العناء وتقديم الجهود، لن يقطف سوى الحسرة جرّاء ذلك ويعيش الهوان والذلّ.

والقرآن المجيد، بعد تعداد الآثار المعنوية والأخروية للجهاد، يشير في سورة الصف المباركة إلى هذا الأثر الدنيوي، حيث يقول تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾12.

وممّا ينبغي الإشارة إليه أنّ المجاهدين في سبيل الله منتصرون وأعزاء حتماً، سواء عن طريق الانتصار الظاهري وهزيمة العدو، أم بنيل الشهادة والوصول إلى جوار رحمة الحقّ سبحانه، حيث قد أثنى القرآن الكريم على هاتين النتيجتين: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾13.


الآثار الأخروية للجهاد:

1- البشرى والفوز العظيم:

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في‏ سَبيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى‏ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ﴾14.

عرّف اللّه سبحانه وتعالى نفسه في هذه الآية بأنّه مشتر، والمؤمنين بأنّهم بائعون، ولما كانت كل معاملة تتكوّن في الحقيقة من خمسة أركان أساسيّة، وهي عبارة عن: المشتري، والبائع، والمتاع، والثمن، وسند المعاملة أو وثيقتها، فقد أشار اللّه سبحانه إلى كل هذه الأركان، فجعل نفسه مشترياً، والمؤمنين بائعين، وأموالهم وأنفسهم متاعاً وبضاعة، والجنّة ثمناً لهذه المعاملة. وأما طريقة تسليم البضاعة فبواسطة القتال. والحق سبحانه وتعالى حاضر في كل مكان وبالأخصّ في ميدان الجهاد لتقبّل هذه الصفقة، سواء كانت روحاً أم مالاً يبذل، وإذا كان هذا القتال في سبيله فهو تعالى سوف يكون المشتري فيقبل هذه الأرواح والجهود والمساعي التي تبذل وتصرف في سبيله، أي سبيل إحقاق الحق والعدالة، والحريّة والخلاص لجميع البشر من قبضة الكفر والظلم والفساد.

وثمن هذه المعاملة وإن كان مؤجّلاً، إلّا أنّه مضمون، لأنّ اللّه تعالى لقدرته واستغنائه عن الجميع، لا يوجد من هو أوفى بعهده منه. فلا هو ينسى، ولا يعجز عن الأداء، ولا يفعل ما يخالف الحكمة ولا يخلف وعده والعياذ باللّه، وعلى هذا فلا يبقى أي مجال للشكّ في وفائه بعهده. والأروع من كلّ شي‏ء أنّه تعالى قد بارك للطّرف المقابل صفقته، وتمنّى له أن تكون صفقة وفيرة الربح، تماماً كما هو المتعارف بين التجار، والأكثر من ذلك وعده بالبشرى والفوز العظيم على هذه المعاملة العظيمة والصفقة الكبيرة. فهل يتصوّر الإنسان رحمة ومحبّة أعلى من هذه؟!

ويقول الله عزّ وجل في آية أخرى من كتابه العزيز: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئكَ هُمُ الْفَائزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لهَّمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾15.

الآيات الكريمة هي في مقام بيان أجر المجاهدين في سبيل الله من أجل الذود والحفاظ على دينهم السماوي المقدَّس. فالمؤمنون الذين ‏صدّقوا بوحدانية اللّه تعالى وهاجروا عن أوطانهم التي هي ديار الكفر، وجاهدوا الكفّار في طريق مرضاة اللّه وإعلاء كلمة الحق، وبذلوا المال والنفس في سبيل الله حتى الشهادة، وتحمّلوا المشاقّ من جرّاء ذلك كلّه، هم أَعظم درجة عند اللَّه ممّن سواهم من المؤمنين الّذين لم يكن لهم نصيب من ذلك كلّه، وهم المستحقّون للفوز بثواب الله الموعود ما داموا قد استمرّوا على عقيدتهم وإيمانهم. والله تعالى يزفّ إليهم البشرى - بما صبروا واحتسبوا في جنبه - بالفوز والرحمة والرضوان. ويبشّرهم أيضاً بالجنّة خالدين فيها إلى الأبد، مع ما فيها من النّعم الدائمة التي لا حدّ لها ولا انقطاع. هذا هو أجر وثواب من يهب نفسه وماله لله ويجاهد في سبيله ويضحّي بأغلى ما يملك من أجله.

2- المغفرة والجنة:

يقول الله تعالى في كتابه العزيز ﴿يَأَيهُّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمُ‏ْ عَلىَ‏ تجِارَةٍ تُنجِيكمُ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتجُاهِدُونَ فىِ سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكمُ‏ْ وَأَنفُسِكُمْ ذَالِكمُ‏ْ خَيرْ لَّكمُ‏ْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِر لَكمُ‏ْ ذُنُوبَكمُ‏ْ ويُدْخِلْكمُ‏ْ جَنَّاتٍ تجَرِى مِن تحَتهِا الْأَنهْارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً في جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأخْرَى‏ تحُبُّونهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾16.

لقد شبّه القرآن الكريم في مواضع عديدة عمل الإنسان في الحياة الدنيا بالتجارة، و أن الناس في الحياة الدنيا تجّار يأتون إلى هذا المتجر الكبير برأس مال وهبه اللّه سبحانه وتعالى لهم، فمنهم من يربح ويسعد، ومنهم من لا يجني سوى الخيبة والخسران. والمجاهدون في سبيل اللّه هم من الصنف الأول.

إنّ الهدف الأساسي لهذه الآيات المباركة هو الدعوة إلى الإيمان والجهاد في سبيل اللّه، وهما وإن عُدّا من الواجبات المفروضة، إلّا أنّ الآيات هنا لم تطرحهما بصيغة الأمر، بل قدّمتهما بعرض تجاريّ مقترن بتعابير تبيّن اللطف اللامتناهي للبارئ عزّ وجلّ.

فممّا لا شكّ فيه أن النجاة من العذاب الأليم أمنية كل إنسان، وهذه النجاة موقوفة كما يقول تبارك وتعالى على أمرين أساسييّن: الإيمان، والجهاد.

فالإيمان بالله وبرسوله، والجهاد بالنفس والمال هما رأس مال هذه التجارة المنجية من العذاب، فالإيمان بالرّسول لا ينفصل عن الإيمان باللّه تعالى، كما أنّ الجهاد بالنفس لا ينفصل عن الجهاد بالمال، ذلك أنّ جميع الحروب تستلزم‏ وجود الوسائل والإمكانات المالية، وعند التدقيق في الآية المباركة نلاحظ أنّ الله تعالى قد قدّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، لا باعتباره أكثر أهميّة، بل بلحاظ أنّه مقدّمة للجهاد بالنفس، لأنّ مستلزمات الجهاد لا تتهيّأ إلّا عند توفّر الإمكانات الماديّة.

أما العوض لهذه المعاملة العظيمة والترجمة العمليّة لهذه النجاة الموعودة فهي المغفرة والجنة. إذ أنّ أوّل هدية يتحف اللّه سبحانه بها عباده الذين جاهدوا في سبيل طريق الحقّ وباعوا مهجهم في سبيل الدين العظيم، هي مغفرة جميع الذنوب، لأنّ هذه المغفرة مقدّمة للدخول في جنّة الخلد ولا معنى لدخولها مع بقاء بعض الذنوب.

ثمَّ إنَّ مقابلة المال والنفس المبذولين وهما المتاع القليل، بجنّات عدن الخالدة، مما تطيب به نفسُ المؤمن وتقوى إرادته لبذل النَّفس والتضحية بها، واختيار البقاء على الفناء. ثم يبشّرهم الحق تعالى في نهاية المطاف بنعمة يحبّونها وهي النصر القريب. فيا لها من تجارة مباركة مربحة تشتمل على النجاة من العذاب، والمغفرة والجنة، والفتح القريب. ولذلك عبّر عنها البارئ سبحانه بالفوز العظيم، وزفَّ لهم بشراها.

3- هداية السبيل:

قال الله تعالى ﴿والَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنهَدِيَنهَّمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾17.

بالرغم من كلّ المشاكل التي تحيط بطريق المسير إلى اللّه إلّا أن هناك حقيقة ثابتة، وهي أن اللّه يمنح الهداية والقوّة والاطمئنان مقابل هذه المشاكل للذين يجاهدون فيه. والجهاد هو بذل الجهد ولا يكون إلا فيما يخالف هوى النَّفس ومقتضى الطَّبع. وله معنى واسع ومطلق فهو يشمل كلّ سعيٍ وجهدٍ في سبيل اللّه ومن أجل الوصول إلى الأهداف الإلهية. سواء كان في سبيل كسب المعرفة! أو جهاد النفس، أو مواجهة الأعداء، أو الصبر على الطاعة، أو الصبر عن المعصية، أو في إعانة الضعفاء، أو في الإقدام على أيّ عملٍ حسن وصالح! ولكن هذه الهداية مشروطة بأمر أساسيٍّ وهي أن تكون في الله فقط، بمعنى أن تكون خالصة له. والمراد بالسبل الطرق المتعدّدة التي تنتهي إلى اللّه.

وعليه، فإن الجهاد في أيّ طريق كان من هذه الطرق إذا كان خالصاً لوجه الله فهو سبب للهداية إلى الطريق الذي ينتهي إلى اللّه. وهذا وعدٌ وعده اللّه لجميع المجاهدين في سبيله، وأكّده بأنواع التأكيدات، فجعل الهداية والتوفيق والانتصار والرقيّ في أمرين أساسييّن هما "الجهاد" و"خلوص النية".

4- محبّة الحق:

يقول الله عزّ وجل في كتابه الكريم ﴿إِنَّ اللَّهَ يحُبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فىِ سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾18. تبيّن الآية الكريمة وتؤكّد بشكل واضح أن الذين يقاتلون في سبيل الله هم مورد محبّته. وكما نلاحظ أنّ التأكيد هنا ليس على القتال فحسب، بل على القتال الذي هو "في سبيله" تعالى وحده، أضف إلى خاصّية أخرى ينبغي أن يتمتّع بها المجاهدون لكي ينعموا بمحبة الحق، وهي ثباتهم ووقوفهم بشكل قويّ وراسخ أمام العدوّ بصورة تعكس قوة صفّهم الذي ليس فيه تصدُّع أو تخلخل. فالانسجام ووحدة الصفوف أمام الأعداء في ميدان القتال من العوامل المهمّة والمؤثّرة في تحقيق النصر.

وهذا المبدأ لا يجدر بنا الالتزام به في الحروب العسكرية فحسب، بل علينا تجسيده في الحروب الثقافية والاقتصادية والسياسية وغيرها، وإلّا فلن يكون النصر التامّ حليفنا. فتشبيه القرآن العدوّ بأنّه كالسيل العارم والمدمّر و الذي لا يمكن صدّه والسيطرة عليه إلّا من خلال سدّ حديديّ محكم ومنيع، والتعبير بأن على المؤمنين أن يكونوا كالبنيان المرصوص من أروع التعابير عن الوحدة والرسوخ. وممّا لا شكّ فيه أنّ لكلّ جزء في السدّ، دوراً معيّناً في مواجهة السيل، وهذا الدور مهمّ ومؤثّر على جميع الأجزاء الأخرى، وفي حالة قوّته وتماسكه وعدم وجود تشقّقات أو ثغرات فيه، سيصعب عندئذ نفوذ العدوّ منه، وهكذا هو حال المؤمنين في تراصّهم ووحدتهم إذا ما حاول العدوّ النيل منهم فإنه سيرى المواجهة القوية وسيعود خائباً.

وإذا كان البارئ عزّ وجلّ يعلن حبّه للمجاهدين المتراصّين الذين يشكّلون وحدة متماسكة، فإنّه يلزم من ذلك أنّه سبحانه وفي نفس الوقت يعلن سخطه وغضبه على الجموع المسلمة إذا كانت متمزّقة ومشتّتة، ونتيجته هو ما نراه الآن متجسّداً في تسلّط مجموعة صغيرة من الصهاينة على أرضنا الإسلامية وعددنا يربو على المليار مسلم!!


المفاهيم الرئيسية

1- للجهاد في سبيل الله آثار مشرقة على صعيدي الفرد والمجتمع.

2- من الآثار الدنيويَّة للجهاد: العزّة والرفعة، وتقوية روح المبادرة والعزيمة، وتقوية روح الاكتفاء الذاتي.

3- من الآثار الدنيويَّة للجهاد: فصل الحق عن الباطل، والوحدة والتماسك، فالشَّعب الذي يكون مُبتَلىً في أيام الصُّلح والهدوء بالمشاكل الداخلية، ومشغولاً بالاختلافات الجزئية، يتوحّد على أثر اشتعال الحرب وظهور العدو، ويحوّل كل طاقاته نحو المواجهة.

4- من الآثار الدنيويَّة للجهاد: النصر، إذ يُعدّ الانتصار على العدو، أحد أفضل آثار الجهاد، فالشعب الذي قد جلس منتظراً النصر دون تحمّل العناء وتقديم الجهود، لن يقطف سوى الحسرة جرّاء ذلك ويعيش الهوان والذلّ.

5- من الآثار الأخروية للجهاد: البشرى والفوز العظيم، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في‏ سَبيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ... فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ﴾.

6- من الآثار الأخروية للجهاد: الفوز بالثواب، يقول الله تعالى: ﴿﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لهَّمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾.

7- من الآثار الأخروية للجهاد: هداية السبيل، يقول الله تعالى: ﴿والَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنهَدِيَنهَّمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين﴾.

8- من الآثار الأخروية للجهاد: محبّة الحق، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يحُبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فيِ سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾.

* كتاب التربية الجهادية، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- التوبة، 29.
2- النساء، 74.
3- نهج البلاغة، ج4، ص19.
4- النساء، 84.
5- وسائل الشيعة، ج15، ص15.
6- بلاغ، سخنان موضوعى إمام خميني قدس سره، ج3، ص272.
7- بلاغ، سخنان موضوعى إمام خميني قدس سره، ج3، ص454.
8- محمد، 31.
9- التوبة، 43.
10- راجع، تفسير الميزان، ج9، ص284-285.
11- آل عمران، 103.
12- الصف، 13.
13- التوبة،52.
14- التوبة،111.
15- التوبة، 20-22.
16- الصفّ، 10-13.
17- العنكبوت، 69.
18- الصفّ، 4.

ما هو الصوم؟

ما هو الصوم؟

معنى الصوم
الصّوم في الإسلام هو الإمساك عن المفطرات التي حدّدها الشّرع، من طلوع الفجر إلى غروبها. وهو من أركان الدّين الإسلاميّ. فرضه الله عزّ وجلّ على عباده ليستوي به الغنيّ والفقير، وحتّى يجد الغنيّ مسّ الجوع والألم فيرقّ قلبه على الضّعيف ويرحم الجائع. والصّوم يصفّي الروح وينّقيها من أثقال البدن والشّهوات والمادّة. وهو يقوّي إرادة الإنسان وعزيمته ويجعله قادراً على خوض الصّعاب وتحمّل المشقّات، وهو معين له على تحصيل التّقوى، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾1.

والصّوم وإن كان في ظاهره إجبار النّفس على ترك ما تشتهيه من أنواع الطيّبات، إلّا أنّ باطنه تحرير هذه النّفس من أغلال الشّهوات والأهواء والغرائز. وهو أفضل معين على محاربة الشّيطان، ولذلك عندما سئل النبيّ عن كيفيّة مجابهة الشّيطان، أجاب: "الصّوم يسوّد وجهه، والصّدقة تكسر ظهره"2...

شروط صحـّة الصـّوم
حتّى يصحّ صوم المكلّف يجب أن تتوفّر بعض الشـّرائط وهي
1ـ الإسلام: فلا يصحّ الصّوم من غير المسلم.
2ـ العقل: فلا يصحّ الصّوم من المجنون حال جنونه.
3ـ النيّة: لكون الصّوم من العبادات التي يُشترط فيها قصد القربة إلى الله تعالى.
4ـ الطّهارة: من الجنابة قبل حلول الفجر.
5ـ الخلوّ من الحيض والنّفاس بالنسبة للنساء.
6ـ عدم وجود مرض يتسبَّب به الصوم أو يؤدّي إلى زيادته.
7ـ عدم السّفر، لأنّ المسافر يجب عليه قصر الصّلاة، ولا يصوم.
8 ـ عدم كونه مغميّاً عليه.
9 ـ أن لا يكون الصوم حرجياً عليه، كما في الشيخ والشيخة.

أقسام الصـّوم
1ـ الصّوم الواجب: كصوم شهر رمضان المبارك، وصوم القضاء والكفّارة والنّذر.
2ـ الصّوم المستحبّ: كصوم أيّام رجب وشعبان.
3ـ الصّوم المكروه: كصوم يوم عاشوراء.
4ـ الصّوم الحرام: كصوم يوم عيد الفطر "أوّل يوم من شوّال"، ويوم عيد الأضحى "العاشر من ذي الحجّة".

المفطّرات
1ـ الأكل والشّرب: إذا كانا عن عمد، وأما الأكل والشّرب نسياناً فلا يبطلان الصّوم مطلقاً.
2ـ الجماع: فهو مبطل للصّوم، وموجب للكفّارة.
3ـ الاستمناء: وهو كالجماع في إبطاله للصّوم وإيجابه للكفّارة.
4ـ القيء عمداً: وأمّا إذا كان قهراً فلا يفسد الصّوم.
5ـ الحقنة بالمائع: وهي ادخال الماء ونحوه إلى جوفه من خلال المخرج بالحقنة.
6ـ الغبار الغليظ: فيما لو دخل إلى الحلق عمداً.
7ـ رمس تمام الرّأس في الماء.
8 ـ تعمّد البقاء على جنابة: حتّى طلوع الفجر.
9ـ تعمّد الكذب على الله ورسوله.

*'طريق المعارف, سلسلة المعارف الإسلامية , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية